هل يضربون أوروبا قبل أن يضربوا العراق؟

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الجمعة 17 آذار (مارس) 2006

سيصدم كلامنا، هنا، أكثرية القرّاء والأوساط السياسية والأمنية، ويبدو تخيّلاً متطرّفاً خطيراً. ولكننا نعتقد أنّ ما نذهب إليه في كلامنا هو أقلّ تطرّفاً وخطورة من واقع الإعدادات القائمة ومن الإحتمالات القادمة على المسرحين الإقليمي والعالمي، وكوارثها الأمنية والإنسانية.

1

القوة العظمى الأميركية-الإسرائيلية تتوعّد العراق بضربة كبيرة حاسمة، وتؤكد للعالم أنّ ضربتها الحتمية للعراق هي أولى الضربات الآتية. أي أنّ المشهد الأوّل من فصول العنف الآتية سيكون، حكماً، على الساحة العراقية.

وتركز الحملات الإعلامية الأميركية مؤخراً على العراق لتأكيد تجريمه وللإعلان الصريح عن الإعدادات الجدية والسيناريوات المتنوّعة لضربه. وهي توحي أنّ قرار الرئيس بوش لتعيين موعد العملية ينتظر إستكمال الإعدادات: الفنية المتعلقة بنوعية الضربة، والتنفيذية المتعلقة بالقوى العراقية المعتمَدة، والسياسية الإقليمية المتعلقة بالدول المجاورة للعراق.

2

هل هو صحيح أنّ المشهد العنفيّ الأوّل سيكون على الساحة العراقية؟ أم أنه سيكون على ساحة أخرى، لتبرير وتسهيل العنف على الشرق الأوسط بدءاً من العراق؟

وهل هو صحيح أنّ إستكمال الإعدادات الفنية، والتنفيذية، والسياسية الإقليمية وحدها، هي كل ما ينتظره الرئيس بوش لإقرار ضربة العراق والمباشرة بتنفيذها؟ أم أنّ ثمة حلقة أساسية مفقودة، من نوع 11 أيلول، تحرص القوة العظمى على توفيرها قبل الدخول في المرحلة الحربية الجديدة بدءاً من الشرق الأوسط؟

3

نتمنى أن نكون مخطئين أو مغالين في مخاوفنا، ولكننا نعتقد أنّ ثمة ضربة مدبَّرة قد تحلّ بالحلفاء الأوروبيين، أو بفرنسا بشكل خاصّ، تسبق ضرب العراق وفلسطين والعمليات الحربية الواسعة والمتعاقبة التي تقتضيها المرحلة الحربية الجديدة في مشروع القوة العظمى. لماذا 11 أيلول ثانية؟ ولماذا عند الحليف الأوروبي بالذات؟ 11 أيلول ثانية، لأنّ الأولى لم تعد كافية لتبرير الزلزال الذي ستحدثه العمليات الجديدة. وعند الحليف الأوروبي بالذات، لأنّ المشروع الحربيّ المجنون لا يستطيع أن يتقدّم باطمئنان إلاّ إذا أدخل الحليف الأوروبي في دائرة جنونه. 11 أيلول ثانية في أوروبا، هي وحدها كفيلة بهذه المهمة.

4

فالقوة العظمى تعلم أنّ الحرب على العراق، وربما على إيران من بعده، تنطوي على مخاطر كبيرة يصعب الإلمام المسبَق بكل أبعادها ومضاعفاتها. فهي ستحدِث زلزالاً في عصر لا يتحمّل الزلازل. وهي تعلم مسبقاً أنّ الأوروبيين هم في موقع ووضع يتعارضان مع طبيعة مشروعها الحربي وأهدافه. إلاّ أنها تعلم أيضاً أنها لا تستطيع أن تمضي في مغامرتها الحربية إذا كان حلفاؤها الأوروبيون غير منصاعين ومنخرطين كلياً في هذه المغامرة وغير ملتزمين بجميع مراحلها وعلى جميع المستويات. لذلك كانت ضرورة إكراهها على ذلك. الضغوط الأميركية على الحكومات الأوروبية لا تكفي لإكراه هذه الحكومات على تصليب مواقفها الحربية ثم لضمان ثباتها على هذه المواقف عندما تنجلي الأخطار المترتبة منها. هذا الإكراه على تجرّع السمّ يحتاج إلى ضغوط من نوع آخر: يحتاج إلى إعصار من الرعب يجتاح المجتمعات الأوروبية ويدفعها إلى حالة هستيرية يمتزج فيها الرعب بسلطان العنصريات وغرائز الإنتقام المتوحشة. ما يحتم على الحكومات الأوروبية أن تنصاع لمطالب شعوبها، فتندفع بقوة إلى ردة الفعل المتطرّفة، ومن ثمّ إلى دوّامة ردود الفعل العنفية في الداخل الأوروبي وفي المتوسّط والشرق والأوسط.

5

منذ 11 أيلول، والسلطات الأميركية تمنن أوروبا أنّ أميركا تتحمّل وحدها أعباء الحرب، فيما الخطر واحد على الطرفين. ومنذ 11 أيلول والقوة العظمى تحرّض الأوروبيين وتحرّض عليهم. تحرّضهم وتضغط عليهم: لمزيد من الإنفاق على التسلّح، وللتشدّد والتزمّت في قوانين الهجرة، ولمعاقبة الدول الأخرى، العربية بشكل خاصّ، على هجرة مواطنيها. وهي تحرّض على أوروبا:

بالإستعداء عليها لأنها لا تتجنّد للحرب على "الشر"، وبالتشهير الإعلامي الصهيوني ووصمها باللاسامية، شعوباً وحكومات، إذا هي تجرّأت واعترضت على ممارسات إسرائيل، المتوحشة.

وتتركز حملات التشهير على فرنسا في الغالب، على اعتبار أنها تتزعّم الموقف الإعتراضي والدعوة إلى التميّز الأوروبي عن دعاة الجنون الحربي الصهيوني. والأدهى من هذا كله أنّ الكتلة الإعلامية الصهيونية لا تتوقف، منذ بضعة شهور، عن إنذار الأوروبيين من ضربة إرهابية وشيكة تحلّ بهم من جرّاء "تهاونهم". وغالباً ما يتردّد هذا الإنذار على لسان كبار المسؤولين الأميركيين من أمثال نائب الرئيس الأميركي ووزيري العدل والدفاع الأميركيين. وبعضهم يؤكد أنّ ضربة أوروبا آتية حكماً، لكنّ السؤال هو: متى؟ وأين؟

6

ضرب أوروبا، بتخطيط القوة العظمى وبأيدٍ أصولية مغرَّر بها، يحقق عدة أهداف لكتلة الشر في داخل السلطات الأميركية-الإسرائيلية. نكتفي، هنا، بذكر أهمّها.

أوّلاً: نقلت إسرائيل صورتها ووضعها إلى أميركا، والآن تريد القوة العظمى الأميركية-الإسرائيلية نقل صورتها ووضعها إلى أوروبا. والصورة والوضع يتلخصان بالعداء للآخر، واستعداء الآخر والإعتداء عليه. إنها ثقافة الغيتو، المهووسة بذاتها والهاجسة بإلغاء الآخرين، يراد لها أن تدخل عنوةً على أوروبا. القوة العظمى لا ترضى لأوروبا بموقع متميز لها وبموقف معتدل لحكوماتها، وبوضع هادئ سائد في مجتمعاتها، فيما هي (القوة العظمى) تمارس أقصى التطرّف وتستنفر، في معسكرها وفي معسكر الآخرين، أقصى المتطرفين. من هنا كان الحرص على إدخالها في دوّامة العنف من الباب الأخطر.

ثانياً: تريد القوة العظمى أن تكون أوروبا رأس الحربة لتوجيه الضربات، وفي خط النار لتلقّي الضربات الأولى أو الأشدّ قسوة. فتنقل العنف إلى الساحة الأوروبية، ومنها إلى المتوسط، لتحويل المتوسّط من ملتقى مخصب لشعوب حوضه إلى مسرح حربي وخط صداميّ، وللإيقاع بين أوروبا وبين العرب والمسلمين.

ثالثاً: من شأن هذه التطوّرات الخطيرة أن تفتح الطريق وتؤمّنها أمام القوة العظمى للدخول في مرحلتها الحربية الجديدة، للإنقضاض على العراق وفلسطين، وربما على إيران، ولإستكمال الطوق على آسيا الوسطى بالتفاهم مع روسيا المنكفئة إلى مكانتها وحصتها الإقليميتين، ولتثبيت سلطتها في الشرق الأقصى بتحييد الصين المكتفية بعالم آسيان ووعوده. فانخراط أوروبا في المشروع الحربي يعني إنصياع الكتلة الوحيدة المتبقية من الأطراف ذات التطلعات الدولية بالمعنى الحقيقي الآن.

7

هذا السيناريو المحتمَل، والمرجَّح في رأينا، قد يستبعده الكثيرون، لا سيما الأوروبيون، على اعتبار أنّ أوروبا هي الحليف لا العدوّ، وأنّ الأمور لا يمكن أن تصل إلى هذه الحدود.

فات الأوروبيين، كما فات غيرهم، أن يعلموا أنّ جميع المقاييس والإعتبارات السابقة لم تعد صالحة كدليل للنظر إلى الوضع الجديد الناشئ. فالقوة العظمى، بتركيبتها الجديدة ومشروعها غير المسبوق إليه، أصبحت لها قوانينها الجديدة كلياً، المتنكرة كلياً لكل المواثيق ومنطقها السابق. يخطئ حلفاؤها إذا هم اعتقدوا أنهم آمنون، تحرسهم خطوط حمر. يخطئون لأن القوى التي من نوع القوة العظمى الجديدة، والتي تندفع في "مهمات" من هذا النوع الجديد، يتساوى عندها جميع الآخرين. لا يعود لها حلفاء وأعداء بالمعنى التقليدي، بل وسائل، مجرد وسائل، تستهلكها المهمة المطلوب تنفيذها. فالحليف، هو من ينصاع ويصطفّ مستعداً للإمتثال للأوامر والتعليمات. وهو حليف، للإستهلاك. تستهلكه مهمته، فتنتهي "قيمته" بانتهاء مهمته أو بانتهاء دوره المحدد في المهمة. قد ينقلب عدواّ وهدفاً للضرب بعد إنتهاء دوره أو تقلص هذا الدور.

لم يعد صالحاً دليل الأمس الذي يميّز بين حلفاء أميركا وأعدائها. الجميع حلفاء، بمقياس الإنصياع. والجميع أعداء، بمقياس الإعتراض أو التحفظ. الجميع حلفاء، للإستهلاك، مرشحون للتحوّل إلى أعداء. والجميع أعداء، للإستهلاك، مرشحون للتحوّل إلى حلفاء.

8

مرة أخيرة نقول إننا نتمنى أن نكون مخطئين أو مغالين في مخاوفنا. لكننا نعتقد أنّ المنطق الجديد الذي يحكم سياسات القوة العظمى ويتهيّأ للتحكّم بمقدّرات العالم، هو منطق يعصى على كل القوانين والقواعد. نرجو أن لا يعصى على فهم العالم لصدّ أخطاره قبل فوات الأوان.

* بقلم يوسف الأشقر، جريدة الديار اللبنانية، العدد 4957، تاريخ 1 آب 2002، ص. 1 وتتمة ص. 22.