منهجية نظر في المشروع العربي

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2006

مدخل

موضوع هذه الورقة هو المشروع العربي، وغايتها إقتراح منهجية نظر في هذا المشروع. لا بد من الإشارة في البدء إلى أن هذه الورقة هي حصرية، تحاول أن تقدّم مقاربة منهجية للنظر في بعض الثوابت والأولويات، وليست معالجة للمنظور في وجوهه ومتغيراته. وهي مقاربة تحتمل منهجيات عدة. فموضوع العالم العربي،مثلاً، يمكن التوصّل إلى إستكشافه بمنهجية إستقرائية تنطلق من معاينة الخاص فيه إلى العام في نوعه، أي إلى ظاهرة العوالم في التاريخ وفي عصرنا، أو بمنهجية إستنباطية تسلك الإتجاه المعاكس. كما أن موضوع المشروع العربي وإستراتيجياته تصلح فيه عدة منهجيات: تحليلية تفكيكية أو تجريبية أو غيرها، نتوصل إلى التمييز بين ما هو واقع أو أمر واقع على مستوى الدول العربية، ويستلزم إستراتيجيات تتعامل معه وفي حدوده، وبين ما هو من شأن إستراتيجيات المجتمع والإنسان ولا يلتزم بتلك الحدود.أمّا الخلاصة فقد إعتمدنا فيها مقاربة تمييزية بين واقع الدول العربية وهي من عمر هذا القرن أو نصفه، وبين ما تمثله وتختزنه المجتمعات العربية الراسخة ومعظمها من عمر التاريخ. فتكون رهاناتنا على المستقبل وقفاً على نجاح إستراتيجيات المجتمع والإنسان في تفعيل قدرات المجتمعات العربية وفي إزالة المفارقة أو تقليص المفارقة بينها وبين واقع الدول العربية.

في العالم العربي

لماذا نبدأ بالعالم العربي؟

لأنه موضوع المشروع الذي نحن بصدده.

ولأن ماهيّة هذا الموضوع بحاجة إلى التوضيح، ومعالجة إشكاليته، ومعرفة عظيم قدره.

فنحن نسمع تساؤلات عن ماهية العالم العربي. أليس هو مجموعة بلدان عربية لا اكثر و لا أقل، قد يمكن إجتماعها على شيء وقد لا يمكن، وقد يفيد إجتماعها وقد لا يفيد؟ لماذا الإصرار، إذاً، على إعتبار العالم العربي وجوداً نوعياً لا ينحلّ إلى مجرّد مجموع كمّي هو بعدد الدول العربية؟ كما إننا نسمع، بالمقابل، كلاماً فيه مآخذ أو تحفّظات على مصطلح العالم العربي، وكأنه مصطلح إنتقاصي من الماهية العربية.

حين نستخدم مصطلح "عالم" للعالم العربي، نقصد كائناً أو ظاهرة تاريخية لها كينونتها وخصائصها، كما ظاهرة الإمبراطوريات مثلاً، ويمكن تتبّعها أنطولوجياً في التاريخ وتتبّع مساراتها وتجلياتها وآثارها.

من المؤسف أن ظاهرة الإمبراطوريات طغت على عيون المؤرخين وعلى المشهد التاريخي بعامة، وذلك على حساب ظاهرة "العوالم" ما حرم الذاكرة الإنسانية والمعرفة الإنسانية الجزء الأكبر المُشرق من التراث الإنساني، ونموذجاً تاريخياً ناظماً لعلاقات الشعوب، نقيضاً لنموذج الإمبراطوريات. ويمكن القول، بإختصار، أن العالم القديم، الذي سبق عصور الإمبراطوريات الكبرى بما يزيد على ألفي سنة، كان أول الأنظمة العالمية وأبعدها اثراً حضارياً وأغناها إنسانية، وهو صيغة تأسيس الحضارة الإنسانية وصيغة الدفاع عنها في مسارها الطويل. وقد قام العالم القديم إنطلاقاً من العالم العربي الذي تكوّن وبدأ يتكامل في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد وقد تمثّل أولاً في مثلّث سورية وشبه الجزيرة العربية ومصر، ثم تكامل لاحقاً بإستكمال بُعده الإفريقي.

هذا العالم العربي هو الآن حالة فريدة، من حيث هو أقدم العوالم على الإطلاق، ومن حيث أنه إستطاع، على مدى خمسة آلاف سنة، أن يعصي كل عوامل التدمير أو التحوير وأن يتجدّد ويتبلور ويرتقي كما حصل له بعد الإسلام، ومن حيث أنه يبقى، حتى الآن، الأصدق والأكمل تعبيراً عن خصائص نوعه (أي العوالم) والأجدر بتقديم نموذج مستقبلي بديل لنموذج الإمبراطوريات على أشكالها المختلفة. التجربة الأوروبية الجديدة هي محاولة في هذا السياق. ما هو الإتحاد الأوروبي؟ إنه "عالم" أوروبي في الصيرورة، يحاول أن يكون بديلاً عن نموذج الإمبراطوريات الإنتر-أوروبية أو الإنترا-أوروبية. ولكنها محاولة لم تكتمل تجربتها بعد، ولم تُعرف أبعادها وتوجهاتها الحقيقية في ما يخصّ خياراتها خارج الحدود الأوروبية المعنيّة، ولم تمرّ بالإختبارات الصعبة لمعرفة مدى قوّتها ومنعتها.

إن ما يعنينا هنا، هو أن الأوروبيين هم الآن في صدد إبتداع مقوّمات "عالم" أوروبي. وهم يحاولون أن يقاربوا ويجمعوا بين ما تباعد وتنافر على مدى التاريخ، وأن يقيموا أنماطاً من الروابط والعلاقات والبنى تتخطى إرثاً ثقيلاً من النزاعات والحروب والدماء والدمار، رافقهم منذ النشوء حتى منتصف القرن العشرين.

أمّا العالم العربي فليس عليه أن يبتدع بل ما يكتشف ما هو فيه، وليس عليه أن يتخطى إرثاً سلبياً، بل أن يفعّل تراثاً غنياً إيجابياً. وهذا لا يتطلب خطوات صعبة تغييرية في الإتجاه، كما هو شأن الأوروبيين وغيرهم، بل خطوات سهلة في إتجاه مرسوم. ولا يتطلّب شقّ طريق جديدة، بل تعبيد الطريق القائمة وإعمارها بحركةالتواصل والتفاعل. من هنا إن العالم العربي قواقع قائم وراسخ، يقدّم للمشروع العربي أرضاً صلبة ومقوّمات ثابتة ليست متوفرة لأي مشروع آخر كان من نوعه.

وإذا أُخذ على العالم العربي تنوّعٌ في شخصيات أطرافه، وتمايزٌ في مستوياتهم، وتباينٌ في توجّهاتهم وتطلّعاتهم، فهي هذه عبقرية العوالم، القائمة على المحرّضات والحوافز لا على القمع والروادع. تُقارب، بالتفاعل، بين ما تباعد بالقطيعة، وتُؤآلف، بالتواصل، بين ما تنافر بالإفتراق، وتبني، بالثقة والإنفتاح، ما تهدّم بالخوف والشكوك والإنغلاق. وإذا كانت الشعوب في التاريخ قد أعطت أفضل ما فيها وعندها بفضل الحوافز والمحرّضات لا بفعل القمع والروادع، فلماذا نحرم شعوبنا العربية من حوافز عالمها العربي ومحرضاته ونُخضعها لقمع الإمبراطورية الإسرائيلية وروادعها؟

لعل أهم ما يميّز العوالم عن الإمبراطوريات كصيغتين ناظمتين للعلاقات الإقليمية أو العالمية، إن الأولى تقوم على الإعتراف ب"الآخر" شريكاً وإن الثانية تنكر الآخر أي تعتبره عدواً موضوع إلغاء أو إستغلال. الأولى تقبل "المختلف" وتُقبل عليه وتحتضنه وتتفاعل معه، والثانية ترفض المختلف عنها فتلغيه أو تقمعه أو تفرض عليه التغيير. الأولى تعتمد، غالباً، الأمن الحضاري في ترسيخ علاقاتها، والثانية تعتمد، دائماً، أمن الشرطة والجيوش في بسط سيطرتها. الأولى تعتمد المحرّضات والحوافز، والثانية تعتمد القمع والروادع. الأولى تتعرّف على الآخر وتعرفه، والثانية تجهله وتنكره. قوة الأولى، في بعضها، هي من قوة الآخر- الشريك، والثانية تعمل وتراهن أبداً، في قوتها، على ضعف الآخر- العدو. قوة الأولى ثابتة وحصينة وأشدّ ديمومة، وقوة الثانية مرهونة بالتفوّق الحربي، وهو غالباً متقلّب وقصير العمر.

العالم القديم دام ألفين وخمسماية سنة قوياً وفاعلاً. الإمبراطورية الرومانية لم تعمّر أكثر من خمسة قرون، نصفُها إحتضار. العالم العربي عمره خمسة آلاف سنة. الإستعمار الغربي مات في القرنين من عمره.

لكن أفظع ما في الإمبراطوريات أنها تقضي على مزايا الخلق والإبداع عند الشعوب، وهي المزايا التي تؤدّي الدور الأول في حفظ حياة الشعوب، على إختلاف مستويات تحضّرها. عِلماً أن مزايا الخلق والإبداع ليست وقفاً على الشعوب "المتقدمة"، وليست، بالضرورة، أقوى عندها منها في الشعوب "المتخلّفة".

قضاء الإمبراطوريات على قدرات ومزايا الخلق والإبداع عند الشعوب التي تُخضعها يجعل آثارها التدميرية أعمق بكثير من آثار الغزوات البربرية، التي تبقى في حدود ما تدمّره من المنشآت العمرانية أو ما تنهبه من الخيرات المادية، أو من تقتله من السكان. فالإمبراطوريات تقتل روح الشعوب. بينما الغزوات البربرية فلا تتعرّض الاً لجسدها.

في المشروع العربي

كيف نفكّر المشروع العربي؟

نفكّر المشروع العربي كما نفكّرالعالم العربي في ماهيته وفي أوضاعه الراهنة. نفكّر في وجهين: في ضوء ما هي عليه الأمور في الواقع، في وجه أول، وفي ضوء ما يجب ويمكن أن تكون عليه الأمور أو ما نريدها أن تكون عليه، في وجهٍ ثانٍ. والوجهان ضروريان في حالتنا. فينقسم المشروع العربي إلى مهمّتين أساسيتين تحتاج كل منهما إلى إستراتيجية عمل خاصة بها، ولكن غير منفصلة عن الأُخرى. الأولى تختص بما يمكن أن تفعله الدول العربية في ما بينها وللتعامل مع العالم الخارجي، من ضمن الأوضاع العربية القائمة، على علاّتها ونواقصها بإعتماد سياسات مشتركة تتراوح بين الحدود الدنيا المقبولة والحدود القصوى الممكنة في ضوء الواقع الراهن. وندعوها، هنا، إستراتيجيات واقع الدول. والثانية تختص بما يجب أن يكون لا بما هو كائن على مستوى المجتمعات بخاصة، بإعتماد إستراتيجيات وسياسات إنشائية في عمق الحياة العربية. وندعوها، هنا، إستراتيجيات المجتمع والإنسان.

واضحٌ أن هذا التقسيم المنهجي في المنطلقين لا يعكس، بالضرورة، قسمة موضوعية، وإن هذا التمييز المنهجي بين الستراتيجيتين لا ينفي الترابط العضوي بين مهمتيهما والتفاعل والتكامل بينهما. كما أن الإصرار على دفع الحكّام إلى عمل ما يمكن عمله في ظلّ الوضع الراهن، على مستوى ما هو بين الدول، لا يعني تأجيل إنتاج ما يجب أن يكون على مستوى المجتمعات وفي ما بينها. فليس ثمة أسبقية منطقية أو زمنية بين المستويين. ولكننا توخّينا من هذه المقاربة أن تخدم غرضين: الأول أن ندفع إلى إستكشاف الواقع أو الأمر الواقع، على علاّته، وإلى إستنفاد إستخدام ممكناته، هنا والآن، كشرط ضروري. وهذا يقع تحت إستراتيجيات واقع الدول. والثاني أن نؤكّد على أوليّة إعمار المجتمع والإنسان لتوليد واقع جديد، كشرط كافٍ أول. وهذا يقع تحت إستراتيجيات المجتمع والإنسان.

إستراتيجيات واقع الدول:

ليس غرض هذه الورقة معالجة مضمون هذه الإسراتجيات، ولا تقرير ما يمكن أن تفعله الدول العربية في ما بينها أو تتعاون فيه على العالم الخارجي. فحدود غرضنا هذا هو إقتراح كيفية النظر إلى هذه الستراتجيات ومحاولة تعيين ما يقع في نطاقها. فقد يسهم هذا في توجيه النظر إلى الواقع والوقائع كما هي في تفاصيلها وحدودها، ما يساعد على تقرير ما يمكن وما لا يمكن عمله في ضوء ذلك. ولعل هذا المنحى المحدّد يسهم في الحثّ على دراسات وأبحاث متخصّصة في كل وجه من هذه الوقائع والإمكانات الواقعية. وهذا يستلزم، في رأينا، إنهاء القطيعة القائمة بين المسؤولين في الدول العربية وبين النخب الثقافية العاملة في هذه الشؤون والمتكلمة فيها. ومن أعراض هذه القطيعة أن غالبية المسؤولين لا تعرف إلا القليل وفي النادر عن أعمال هذه النخب. والنخب، بدورها، وفي الغالب، لا تكلّف نفسها عناء التواصل مع المسؤولين وإستخراج ما في ملفّاتهم وما عندهم من معطيات. من هنا الحاجة إلى الشفافية والصدق، من جهة المسؤولين، والفضول العلمي وبذل الجهد لتعقّب الوقائع، من جهة الدارسين والباحثين.

وقد يسهم ذلك أيضاً في تحديد مسؤوليات الحكّام، بالإطّلاع الدقيق على ما أنجزوه، على قليله، فيُشكرون عليه، وعلى ما تقاعسوا في عمله من الممكنات، وهو كثير في رأينا ، فيطالبون به محدداً ومعيناً.

ونحن نقترح النظر إلى الوقائع والممكنات بقسمتها إلى ثلاثة مستويات:

مستوى المؤسسات العربية وواقع عملها

مستوى حركة العلاقات العربية – العربية في مختلف الحقول والإمكانات المتوفرة المستغَلّة والمهدورة؛

مستوى العلاقات العربية الخارجية والتعامل مع التحديات والأخطار الخارخية.

في المستوى الأول لا بدّ من التعبير عن أسفنا لأوضاع المؤسسات الرسمية العربية وطريقة عملها ونتيجة عملها بشكل خاص. ما يدفعنا إلى طرح أسئلة في الأساس، تبدو ساذجة. إعذروا هذه السذاجة التي أعتمدها هنا وأدعو إليها في السؤال. فالأسئلة التي تحاول أن تتعدّى، بفضولها، الشكل إلى الجوهر، وتدهش للمفارقة بين الشكل والجوهر، تبدو ساذجة في الغالب، لأنها تعيد مساءلة المألوف المسلّم به بحكم العادة في قبوله.

نحن، هنا، نسأل و ندعو إلى طرح أسئلة بسيطة من النوع التالي:

ماذا تفعل بعثات الدول العربية( البعثات الدبلوماسية و غيرها) إلى الدول العربية ؟

ماذا تفعل جامعة الدول العربية؟ بل ماذا يمكنها أن تفعل بإمكاناتها وصلاحياتها وأوضاعها الحالية؟ ولماذا نجد ميزانياتها دائماً مكسورة؟ وماذا يفعل مندوبوالدول العربية فيها، ومعظمهم أخصّائيون؟

لماذا لا يكون في كل حكومة عربية وزارة مختصّة بالشؤون العربية ؟ ما هي حصيلة أعمال مؤسسة القمة العربية، والمؤسّسات الدنيا للقاءات العربية؟

وأخيراً، ماهي مؤسسات التواصل بين هذه المؤسسات الرسمية وبين المواطنين ؟

يمكننا أن نسترسل في تعداد المؤسسات واللقاءات والإتفاقات والمعاهدات الوفيرة. ولكن ما ذكرناه يكفينا، هنا، لإستخلاص ما نريد قوله في حدود موضوعنا، ونحن في صدد موضوع المؤسّسات في الشكل والجوهر والوظيفة.

ولأن من وظيفة المؤسسات أن تؤمّن الديمومة والتقدّم في الأعمال، نكتفي بسؤال رمزي واحد معبّر في هذا الشأن :

أي قمّة عربية بدأت من حيث إنتهت القمّة السابقة؟ ولماذا هذه العودات الدائمة إلى الصفر، وأحيانا ًإلى ما تحت الصفر، في كل خطوة؟ أليس هذا دليلاًعلى أن المؤسسات العربية سدّدت الشكل فقط من دون الجوهر والوظيفة وإنها، بذلك، فقدت مبرّر وجودها وقامت بدور تضليلي؟ علماً أن هذا التضليل يؤخّر قيام مؤسسات حقيقية تحترم تسارع الزمن في عصرنا وتعمل في ضوئه. إن مؤسّساتنا العربية الراهنة هي خارج الزمن.

المستوى الثاني، مستوى الإمكانات القائمة، لا نتطرّق اليه هنا، نظرا ً لأن زميلنا الكبير في هذه الندوة قد خصّه بالمعالجة.

أما في المستوى الثالث، أي العلاقات العربية الخارجية والتّعامل مع التحدّيات والأخطار الخارجية، فأكتفي بثلاثة أمور إقليمية ودولية هي داهمة ومتسارعة ولايمكن مواجهتها والتعامل معها الاّ بحد أدنى من العمل العربي المشترك :

تطورات ما يجري قي المتوسط وفي أوروبا وعلاقاتنا به،

مشروع العولمة ومقتضياته السياسية والإقتصادية والبنيوية فضلاً عن أبعاده الأيدولوجية

والأخير، وهوالأهم والأخطر، مشاريع إسرائيل الإقليمية وإمتدادتها الدولية.

في أوضاع المتوسط وآفاق الشراكة مع أطرافه، لا سيّما، الإتحاد الأوروبي الجديد أليس من البداهة أن نكون معنيين بها بشكل أساسي وهي أحد أهمّ الأمداء الحيوية للعالم العربي وفيها أهم شركائه التاريخيين؟ ثم أليس من البداهة ،عملياً أن الشروط التي تستطيع الأطراف العربية أن تحصّلها من موقع عربي جامع أو من موقع تفاوضي متناغم ومنسّق على الأقل، تقدّم ضمانات وفرصاً أفضل لكل طرف عربي؟

في العولمة نقول، بإيجاز، أنها تطرح علينا إشكاليات كبرى لا تقتصر على الجانب الإقتصادي كما تبدو في الظاهر، بل هي تشمل جميع مرافق حياتنا كما تشمل كل بنى المجتمع والدولة. وهي تضع الدول العربية أمام ملابسات ومفاهيم وآليات لا يجوز التعامل بالإرتجال أو بالإستنساب المتفرّد، لأنها تضرب في صلب صلاحيات الدول وسلطاتها، إلغاء ً وتقليصاً، وفي صلب إرادة الشعوب وسيادتها وقدراتها. ألا يستدعي ذلك حداً معقولاً من التشاور والتنسيق والمواقف المشتركة تحصيناً لكل بلد عربي وللوضع العربي العام، لا سيّما أن هذه العولمة من شأنها أن تزجّ الدول والشعوب في طرق واتجاهات قد يصعب الرجوع عنها ومعالجة أعطابها.

أما في ما يختص بإسرائيل، فنحن نعلم الآن أن لها مشروعين إقليميين: الأول شرق أوسطي بالمعنى الضيّق نسبياً، يستهدف الدول العربية مباشرة ويعتبر نفسه بديلاً لأي مشروع عربي، بل يعتبر التفكير في أي مشروع عربي إعتداءاً عليه. والمشروع الإسرائيلي الثاني إقليمي يتمدّد في المتوسط وفي إفريقيا والعمق الآسيوي، وهو يستهدف تطويق العالم العربي وعزله والإستعداء عليه، كما يستهدف تعطيل أي دور إقليمي للدول العربية، لا سيّما الدول القادرة منها، كمصر وسوريا مثالاً لا حصراً.

وقد صاحب هذين المشروعين الواضحين تصعيد هجمات إسرائيلية إستعدائية على العرب لا سيّما الدول القادرة إياها، و تحريض أطراف إقليمية على الحرب، وإقامة أحلاف حربية إقليمية في وجه العرب. والملفت أن هذا التصعيد الحربي الإسرائيلي، سواء بالتحّريض أم بالأحلاف أم ببلورة السياسات والمفاهيم الحربية، قد حصل في ظل مشروع السلام وبالشعارات السلمية، من مدريد وأوسلو ووادي عربة الى شرم الشيخ، ومن رابين وبيريز إلى نتنياهو.

ألا يستدعي كل ذلك جردة حساب عربية مشتركة لتبادل المعطيات والخبرات المتوفرة عند كل من الدول العربية على الأقل؟ مع العلم أن بعض هذه الدول يمتلك معلومات كثيرة ودقيقة عن حقيقة مشاريع إسرائيل الحربية وخفايا ممارستها، لا يعرفها بعض الدول الأخرى أو لم يقنتع بعد بمصدرها الإسرائيلي، لا سيّما العمليات الإرهابية التي تعرّض ويتعرّض لها بعض المجتمعات العربية، وعمليات الإخلال بالأمن الإقتصادي والسياسي والإجتماعي، وحملات التحريض وتشويه السمعة التي لم يسلم منها بلد عربي واحد، ثم حملات التحريض "الحضاري" لإفتعال خطوط نار، فاصلة و صداميّة، بين العالم العربي والعالم الخارجي، لا سيّما العالم الغربي منه.

ألا يستدعي كل ذلك، جردة حساب عربية مشتركة في ما بين الدول العربية؟

وفي عود إلى بدء، ألا تستدعي موضوعات العولمة، والشراكات المتوسطيّة ومع أوروبا، والمشاريع الإسرائيلية، عملية تقويم مفتوحة على المستوى العربي تكون مشتركة بين مسؤولي الدول العربية وبين خبرات المجتمعات العربية وكفاءتها، للتوصّل، معاً، إلى ما يمكن عمله الآن بالإمكانات المتوفّرة وفي الأوضاع القائمة على علاّتها؟

مع العلم أن القيام بهذا القليل، على نقصه، قد يجنّب أوضعنا التدهور إلى حد تنتفي معه الخيارات، أويجنّبنا التورّط في ما قد يستحيل أو يصعب الرجوع عنه في المستقبل.

إستراتيجيات المجتمع والإنسان

الغرض من هذه الإستراتيجيات هو التأ كيد على أن المعيار الأول لصلاح الأمور أو فسادها ولنجاح الأمور أو فشلها، في كل قطاعات الحياة تقريباً، وأن الرأسمال الأول فيها هو الانسان، وأن القيمة الحقيقية في حصيلة الخطط والأعمال والمشاريع هي أثرها في الإنسان، وأن الطرف الأساسي الثّابت في الصراعات الوجودية والحضارية، كالصّراع الذي نخوضه مع إسرائيل هما المجتمع والإنسان .

من هنا كانت الحاجة إلى إستراتيجيات (ولا أقول سياسات فقط) شاملة ومعقدّة، واعية لهذه الأوليّة الحاسمة في تقرير المصائر، مصائر الأمم والشعوب والحضارات بعامة، ومصائر المشاريع الكبرى في التاريخ كما في حالتنا. ونحن فيصددالمشروعالعربي نقول أن مصيره مرهون بأوضاع المجتمع والإنسان في بلدان العالم العربي. فتقّدم المشروع الأوروبي الراهن هو، أولا، من تقدّم المجتمع والإنسان في أوروبا، إكتمل بالإرادة السياسية على مستوى الدول. والمشروع العربي لن يتقدّم بشكل ثابت وقويّ إلا بتقدّم المجتمع والإنسان في البلدان العريية كشرط ضروري أوّل. وهذا ما يستلزم إستراتيجيات إعمار إنساني وتوظيفات كبرى في سبيله.

ماهو موضوع عمل، أوهدف، إستراتيجيات المجتمع والإنسان، وبماذا تعنى تحديداً ؟

موضوع عمل هذه الإستراتيجيات أوهدفها يمكن إدارجه تحت ثلاثة عناوين:

الأول: تأمين وصيانة وحدة كل من المجتمعات العربية.

الثاني: تأمين وصيانة فرص ومقوّمات نهوض هذه المجتمعاتورعايةوحمايةقدرةالخلقوالإبداع فيها.

الثالث: تأمين وصيانة تفاعل وتكامل المجتمعات العربية وهي في حالة الوحدة والنهوض.

المجتمع الموحد يتمثّل في المجتمع المدني وروابطه، الذي يجب تمييزه، بوضوح، عن المتّحدات الأهلية وروابطها. ومجتمعاتنا تفتقد وجود المجتمع المدني، أو تعاني إنسحاقه تحت وطأة إعتبارات كثيرة ناتجة عن أمر واقع في مجتمعاتنا وعن ممارسات دولنا. من هنا الحاجة إلى إقامة المجتمع المدني وتغليبه في كل مجتمع عربي، وإعتبار تحقيق هذه المهمة ممرّاً إجبارياً لوحدة المجتمع ونهوضه معاً. فالمجتمع الناهض أيضاً يتمثل في المجتمع المدني الناهض.

أما الخلق والإبداع فليسا، بالضرورة، في الأعمال الخارقة بل في التجلّيات الحرّة لقدرات المجتمع. ورعايتهما، على المستوى الإجرائي، لا تكون في إنتظار ظهور الخلاقين والمبدعين إنتظاراّ سكونياً، بل في إحترام وتفعيل خصائص المجتمع وفي إنتهاج سياسات وسلوكيات محفّزة لقوى الخلق والإبداع، وفي إقامة ثقافة ومؤسسات تحتضنها في سياق الحرية.

هذا في العناوين الثلاثة. أمّا تحت هذه العناوين، فبماذا تعنى إستراتيجيات المجتمع والإنسان؟ تُعنى بكل شأن أساسي عضوي فيهما. نذكر أهم هذه الشؤون في مجتمعاتنا على سبيل المثال لا الحصر:
- الروابط الإجتماعية.
- القيم والمعايير.
- العقلية الأخلاقية(التي تتضمن وضوح القضية ، والوعي، والحوافز والمحرّضات، والمسؤولية)
- وضع المرأة.
- العلاقات الإجتماعية وأنماطها، والحركية الإجتماعية ونوعها ومستواها.
- الثقافة والتربية والتعليم والعلم والتكنولوجيا.
- البيئة.
- مؤسسات المجتمع.

هذه الشؤون الأساسية في حياة المجتمعات العربية تختلف، من حيث الأوضاع والحاجات، بين مجتمع عربي وآخر. وبعضها يحتاج، هنا، إلى عمل تغييري إنشائي، وهناك، إلى عمل إصلاحي، وهنالك، إلى عمل تفعيلي تسريعي. ولكنها في مجموعها تلتقي، هنا وهناك وهنالك، على إفتقادها مرتبة الأولّية في هموم دولنا العربية ومهمّاتها، وليس لها، في الغالب ،إستراتيجيات وسياسات عمل خاصة بها، ولا يُعتبر الإنجاز فيها معياراً أول لنجاح الأنظمة أو فشلها في إحراز التقدّم الحقيقي وتأمين نوعية الحياة وتوفير أمن المستقبل.

وفي عود إلى العالم العربي نقول أن ثمة علاقة جدلية بين وحدة ونهوض كلٍ من المجتمعات العربية وبين وحدة العالم العربي ونهوضه.

أما إستراتيجيات المجتمع والإنسان في المشروع العربي فيجب أن تنشأ وتعمل على مستويين: مستوى عربي عام من التخطيط والتعاون والتكامل، حيث الحاجة والفائدة في ذلك، ومستوى آخر يختصّ بكل بلد عربي حيث لا تجدي إلاّجهود البلد المعني وحده.

نذكر، على سبيل المثال، في المستوى العربي، ما يتعلّق بالثقافة والتربية والتعليم والعلم والتكنولوجيا ومؤسسات الدراسات والأبحاث والبيئة، حيث العمل العربي واجب. ثم نذكر، بالمقابل وعلى سبيل المثال، موضوع الروابط والقيم والمعايير والعقلية الأخلاقية ومؤسّسات المجتمع، حيث العمل العربي المشترك مقتصر على التّفاعل والمبادىء العامة بينما الجدوى الحقيقية موقوفة على عمل البلد المعني وجهوده الفردية وحدها.

ثمة نقطة أساسية وأخيرة لا بدّ من التوقّف عندها نظرا ً لأهميتها ومنعاً لأي إلتباس. فعنوان إستراتيجيات المجتمع والإنسان قد يوحي بغياب شأن الدولة وأهميتها ودورها. هذا بعيد عن قناعاتنا وعمّا قصدناه. بعيد عن قناعاتنا ونحن نرى في الدولة أهمّ ظاهرة ثقافية في التاريخ. وإذا كان لا يمكن تصوّر الحياة الإنسانية (ولا نقول البشرية) بدون مجتمع، كذلك لا يمكن تصوّرها من دون دولة تمارس سلطاتها كاملة. وقد ذكرنا من قليل وسنذكر لاحقاً كيف أن من أهمّ ما يهدّدنا هو تقليص دور دولنا وتهميشه لتسييب أوضاع مجتمعاتنا. وكما أن تجاهل شأن الدولة بعيد عن قناعاتنا كذلك هو بعيد عمّا قصدناه هنا وهو تأمين مصدر القوة الحقيقية الثابتة لدولنا العربية، بتأمين قوة مجتمعاتها وبتفاعل هذه المجتمعات وهي في موقع القوة. ونحن نلاحظ أن دولنا وأنظمتنا معنيّة بنفسها وبتوفير أسباب قوّتها وإستمرارها أكثر ممّا هي معنية بحياة مجتمعاتها وأسباب إرتقائها وقوّتها. بل إن بعض هذه الأنظمة يخاف من قوة مجتمعه. ومبدأه في السلطة، وربما في الحياة، أن يستقوي على مجتمعه لا أن يستقوي بمجتمعه على التحديّات والأخطار الخارجية. وبعض آخر من دولنا وأنظمتنا العربية ليس بهذا السوء أو ليس سيئاً في شيء، ولكنه مخطىء في وضع الأولويات وفي الرؤية والمفاهيم. هو مقصّر في المعرفة.

يخطّط، بكل صدق، لإقتصاد بلاده، لكنه يجهل أن الإنسان هو العامل الإقتصادي الأول. يهمل هذه الأوليّة، فلا ينهض الإفتصاد. يستورد التكنولوجيا الحديثة وينفق أضعاف ما ينفقه على الإنسان الذي هو العامل الأساس في حسن إستخدامها، فيذهب الإنفاق هدراً وتصبح التكنولوجيا عبئاً. ينفق على إعمار عواصمه ومدنه أضعاف ما ينفقه على إعمار الإنسان في روابطه الإجتماعية وقيمه وثقافته لتوحيد مجتمعه، فينتهي التمزّق الإجتماعي وفقدان الوجدان الإجتماعي إلى حرب أهلية تخرّب، في شهر واحد، عمران العواصم والمدن الذي بني في عشرات السنين. يُنفق على الأجهزة الأمنية أضعاف ما ينفقه على الأمن الإجتماعي والإقتصادي وعلى التنشئة الإجتماعية وعلى العدل، فلا يكون أمن وإستقرار. هذا بالضبط ما قصدناه بإستراتيجيات المجتمع والإنسان تكون أساساً ومصدراً لقوة المجتمع والدول معاً. ونحن الآن في أشد الحاجة إلى قوّتهما بشكل متوازن، إنطلاقاً من أن ثنائية علاقتهما هي وحدانية في المصير، لا سيّما أن ثمة ثنائية إعتدائية تتعاون وتتكامل في الحرب عليهما، هي ثنائية المشاريع الإسرائيلية والعولمة.

وقد رأينا، منذ قليل، أن الحرب الإسرائيلية علينا هي، في فلسفتها وأوّلياتها، حرب على مجتمعاتنا حتى التدمير، تسقط معه دولنا. وتلتقي الحرب الإسرائيلية عولمة تعمل، بقوة، على إلغاء دور دولنا أو تهميشه، لتسييب مجتمعاتنا ووضع اليدّ عليها وتقرير مصائرها.

نخلص إلى القول أنه إذا كانت إستراتيجيات المجتمع والإنسان هي، بعامة، ضرورة الوحدة والتقدم والإرتقاء عند الشعوب، فهي، عندنا، الآن، فضلاً عن هذه الضرورة وبفضلها، ضرورة بقاء. من شأنها، عندنا، لا أن تحصّن مجتمعاتنا إفرادياً فقط، بل أن تؤمّن الشرط الكافي الأول لنجاح المشروع العربي، ضمانة أمننا المستقبلي.

خاتمة

نريد أن نختم بمنهجيّة نظر إلى الصّراع العربي –الإسرائيلي الذي هو صراع حضاري مصيري بإمتياز، يتجاوز حدود إستراتيجيات الدول القائمة وسياساتها وموازين قواها.

وتقضي هذه المنهجية بوجوب مقاربة تمييزية بين واقع الدول العربية وهي من عمر هذا القرن أو نِصفه، وبين ما تمثّله وتختزنه المجتمعات العربية، الراسخة في عالمها العربي، وهي من عمر التاريخ.

الجولات الأولى من الصراع خاضتها الدول في ضوء واقعها وموازين علاقاتها وقواها. أما مستقبل الصراع فمفتوح لقدرات المجتمعات وموقوف عليها.

ما يبدو، الآن، نهاية الصراع، تسدل فيه الستارة على المشهد الأخير من مأساة، هو، في الواقع، بداية الصراع تفتح فيه الستارة على المشهد الأول من ملحمة حضارية إنسانية مصيرية، أبطالها أجيال المستقبل. فلنهيّء هذه الأجيال، ولنترك لها الباب مفتوحاً، ولنكفّ عن قطع الطريق عليها.