مصير الديمقراطية في النظام العولمي الجديد

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الجمعة 17 آذار (مارس) 2006

في تعريف مصطلح العولمة: العولمة عولمتان.

اسمحوا لي، في البداية، بتصحيح عنوان حديثي. فقد جاء، خطأً، في بطاقة الدعوة " مصير الديمقراطية في العصر العولمي الجديد". والصح: " مصير الديمقراطية في النظام العولمي الجديد". انني حريص على التمييز الواضح في ما بين العصر والنظام العولميَّين، والتأكيد على هذا التمييز في مطلع كل حديث عن العولمة، منعاً للإلتباس. لا سيّما أنّ هذا الإلتباس حاصل بالفعل، وهو وراء الحالة الإستقطابية التي تحكم النقاشات الحادّة حول العولمة والمواقف الثابتة منها عند الطرفين، ما يضيّع جدوى الحوار. هذا يعود، في رأينا، إلى أنّ النقاش بين قطبي الآراء والمواقف يقوم، في الغالب، حول شيئين مختلفين. لذلك أبدأ بتحديد المصطلح وتعيين المضمون الذي أقصده، مستعيناً ببعض ما ورد حول هذه النقطة في كتابي "عولمة الرعب".

العولمة عولمتان. الأولى واقع حكمي، والثانية مشروع محتمَل.

الأولى تتمثل في "ضغط الزمان والمكان" بفضل التقدّم العلمي والتكنولوجي ووسائل السرعة في الإتصال والوصول. قدرات هائلة تحمل خيارات لامتناهية، وامتحان دائم ومتجدّد للجدارة الإنسانية. إنها عولمة لا يمكن إنكارها أو الرجوع عنها أو إيقاف تقدّمها. ضيّقت العالم ووسّعت الآفاق أو أتاحت توسيع الآفاق، فكانت عولمة محمودة، وكانت ثمّة مصلحة حيوية إنسانية في الإقبال عليها والإسهام فيها. إنها من أهمّ معالم المستقبل، أو الحاضر المشدود إلى المستقبل.

أما العولمة الثانية فهي مشروع نظام عالمي جديد: سياسي-عسكري، واقتصادي-مالي، وثقافي. إنها العولمة الإمبريالية-النيوليبيرالية. وهي، خلافاً للأولى، يمكن التنكّر لها والرجوع عنها وإيقاف تقدمّها أو إسقاطها، لأنها مشروع في الصيرورة لا واقع حكمي. إلاّ أنها تجتهد في أن تبدو متماهية أو متطابقة مع العولمة الأولى، لتفيد من الإلتباس الحاصل والخلط بينهما. حتى يتاح لها أن تدّعي أنها، كما الأولى، خيار وحيد وقدر لا يُردّ حتى ليصير من العبث التصّدي لها. ثم أن تدّعي أنها محمودة، وأنّ ثمّة مصلحة حيوية إنسانية في الإقبال عليها وتسليمها عملية ضمان المستقبل، لأنها هي المستقبل. في حين أنها، في الحقيقة، تقوم على مفهوم وخلقية هما من الماضي، أو من الحاضر المشدود بكليته إلى الماضي. لكنها تتسلح بثورة الوسائل لتقتحم الحاضر والمستقبل بوسائلهما. تعتدي عليهما وتحاربهما بسلاحهما وبإسمهما.

النظام العولمي عندنا: مشروع حروب

موضوعنا يختّص بالعولمة الثانية، النظام الجديد، الذي كاد أن يختصر نفسه، عندنا على الأقلّ، بمشروع حربي متنقل بدءاً من فلسطين والعراق، لرسم خريطة جديدة لا لدول المنطقة فقط بل لحياة شعوبها بالأوّلية. وبما أنّ موضوع مؤتمرنا هو عن "تجارب ديمقراطية في البلدان العربية"، فإنني أعتقد أنّ النظام العولمي الجديد وحروبه في المنطقة، حروبه القائمة وحروبه التي يعد ويتوعّد بها، هي عامل أساس، إن لم تكن العامل الأساس الذي يجب أخذه الآن في الإعتبار الأوّل عند النظر في واقع التجارب الديمقراطية ومستقبلها في بلداننا العربية. والمستقبل الذي أعنيه هو المستقبل القريب الداهم الذي يقاس بالأسابيع والشهور لا بالسنين والعقود. لكنها أسابيع وشهور قد تكون هائلة في فعلها المباشر ومفاعيلها، بما في ذلك ردود الفعل عليها. ما قد يكشف لاحقاً أننا الآن بالذات أمام مفترق تاريخي يُراد له أن يكون، من حيث الأخطار والتداعيات، فاصلاً في شؤون كثيرة من حياتنا ولا سيّما في الحريات وفرص الحياة الديمقراطية. والسؤال هو: ما هو مصير الديمقراطية، عندنا بخاصّة، في ظل هذا النظام؟ أو ما هي فرص الديمقراطية المتبقية، أو الناشئة، أو المرجوّة في مجتمعاتنا؟ أي ما هو مصير شروط نشوء الديمقراطية، والقوى الديمقراطية، وخصوصاً مصير الثقافة الديمقراطية وقيَمها في ظل هذا النظام الذي كاد أن يختصر نفسه، عندنا، بمشروع حروبإنني أمام هذه الأسئلة الخطيرة ومحاولة الإجابة عليها، لم يسعني النظر في الديمقراطية كقضية في ذاتها، بل في دولنا ومجتمعاتنا، أصحاب القضية. من هنا أنّ مقاربتي لا تتناول الديمقراطية في ذاتها، من حيث هي ثقافة، وتجربة تاريخية، وآليات، أو من حيث إشكالياتها المفهومية. بل تتناول جانباً من أوضاع مجتمعاتنا ودولنا في ظل المشروع الحربي الجديد وبفعله، جانباً يختص بفرص الديمقراطية عندنا. كما ينحصر ما أتناوله من المشروع الحربي بوجهين من إيديولوجيته واستراتيجيته قد يقوّضان، في نظري، فرص الديمقراطية عندنا أو قد يدفعان بشعوبنا ودولنا في الإتجاه المعاكس للديمقراطية. وقد بدأت أعراض هذا الإتجاه المعاكس تظهر عندنا، بفعل العمليات والحملات الإعلامية الحربية القائمة في الواقع، و بفعل التوقعات للحروب القادمة أو الموعود بها. ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يتكلم عن المستقبل إلاّ بلغة الإحتمالات والترجيحات المعللة، لا بلغة الحتميات. فالمستقبل يتوقف على الفعل الإنساني. من هنا أنّ استشرافنا المعلل للأخطار المستقبلية، المحتمَلة والمرجَّحة، لا يجوز أن يؤدّي إلى إستقالة عقلنا وإلى إستسلامنا لها كأنها واقعة حتماً، بل يجب أن يستوقفنا بجدّية لإعمال عقلنا فيها، كما يجب أن يدفعنا إلى تحمّل مسؤولياتنا، للفعل فيها.

أثر هذا المشروع الحربي في المجتمعات

قد يقال لنا: لماذا تركزون على خطر هذه الحروب في ما يختّص بالديمقراطية؟ فالحروب تحدث دائماً. وقد نخرج نحن منها أشدّ صلابة وتصميماً وأكثر ديمقراطية أو بفرص أكبر لقيام الديمقراطية، بحسب ما تقوله القوّة العظمى التي تقود هذا المشروع الحربي؟

الجواب، في رأينا، أنها حرب لا كالحروب التقليدية. لا بقدرتها السلاحية التدميرية الجديدة فقط. فقد يكون سلاحها المادّي، على هَوله، هو الأقلّ إساءة وتدميراً، قياساً إلى الأعطاب التي قد تحدثها في المجتمع والإنسان، وفي نوعية حياتنا العامّة وعلاقاتنا. وهذه المفاعيل التحويلية (لا التدميرية فقط) قد تقلّص، إلى الحدّ الأدنى، فرص الديمقراطية إن لم تقضِ على هذه الفرص لفترة طويلة، بفعل ما تُحدثه سواء في مجتمعاتنا، أم في دولنا، أم في العلاقة بين دولنا ومجتمعاتنا التي هي، أصلاً، في حالة سيئة وخطرة. فهي بدأت تؤدّي، وقد تؤدّي أكثر فأكثر كل يوم، إلى الآتي:

تغليب قيم ومفاهيم إنغلاقية- تصادمية في مجتمعاتنا، تبدأ بالإنغلاق على "الآخر" الخارجي والتصادم معه، وتنتهي إلى إنكار "الآخر" الداخلي أو الضيق به، سواء أكان هذا "الآخر" فئة أخرى في المجتمع أم رأياً آخر؛

صعود التطرّف، وظهور اليأس من النضال السياسي، وازدياد اللجوء إلى العنف مع الخارج ثم في الداخل؛

تزايد إختزال دولنا وأنظمتنا بوظيفتها الأمنية؛

تزايد عنف الدول والأنظمة على شعوبها، رضوخاً للضغوط الخارجية بحجّة مكافحة الإرهاب؛

تعميق الهُوّة بين دولنا وشعوبنا، بسبب تزايد العنف على مستويَي الدولة والشعب، وبنتيجة السياسات الإذلالية الإستفزازية، المتعمَّدة في الغالب والمجّانية أحياناً، التي تمارسها القوة العظمى على دولنا وشعوبنا معاً.

وفي التحليل الأخير، ستكون مجتمعاتنا أقلّ تمتّعاً بالثقافة الديمقراطية وقيَمها، وتكون دولنا وأنظمتنا أقلّ ممارسة واحتراماً للديمقراطية، في ظلّ هذه الحروب منها في أي وقت مضى، على عكس ما كنا عليه في العقود الأخيرة من حيث الحريات والديمقراطية. هذه الحالة التي بدأت تولّدها مشاريع الحروب الحالية عندنا والتي ستزداد سوءاً مع تقدّم هذه الحروب هي، في جزء منها، نتيجة تلقائية لا إرادية تنبع من طبيعة هذه الحروب، وهي، في جزء آخر، مقصودة في ذاتها تَصدر عن فعل إرادي كأحد الأهداف السّتراتيجية. حسبنا، هنا، أن نؤكّد على مَعلمين أساسين من طبيعة هذه الحروب واستراتيجيتها، التي تدفع أوضاعنا في الإتجاه المعاكس للحريات والديمقراطية. وهما: إيديولوجيا الحرب على الأشرار لا على الشرّ في ذاته، واستراتيجيا الحرب على المجتمعات لا على الدول والأنظمة فقط.

إيديولوجيا الحرب على الأشرار

أبدأ بالسؤال الآتي: لماذا تَهرب القوّة العظمى، في حربها المزعومة على الإرهاب، من تحديد الإرهاب؟ إذا كان الإرهاب هو الشرّ، وإذا كانت هذه الحرب على الإرهاب هي حرب على الشرّ في ذاته، فلماذا الهرب من تعيين هذا الشرّ وتحديده؟

الجواب، في رأينا، هو أنّ هذه الحرب هي على "الأشرار" وليست على الشرّ. فمنذ 11 أيلول، ومنذ ما قبل 11 أيلول بربع قرن حين وُضعت لائحة الدول "المارقة"، (ولنلاحظ الإيحاء المفهومي الديني في هذا التعبير) والقوة العظمى تتكلم عن الصّراع مع الشرّ من دون تعيينه في ذاته، بينما هي، في المقابل، تعيّن الأشرار وتدلّ عليهم ولا تفتأ تطلع علينا في كل يوم بلوائح جديدة لهم.

قد يبدو الفرق بسيطاً أو لفظياّ. فالأشرار يحملون الشرّ، والشرّ يتجسد بأشرار. لكنّ الأمر ليس كذلك. فالإنقلاب من الصراع مع الشرّ إلى الحرب على الأشرار هو إنقلاب خطير. كان خطيراً جداً ومدمِّراً في التاريخ. وهو مدمِّر وانتحاري وكارثي في القرن الحادي والعشرين.

لتوضيح ذلك، آخذ مثالاً في التاريخ وعيّنة من التاريخ الديني، من تاريخ المسيحية. فالمسيح دعا لمصارعة الشرّ ولكنه لم يدعُ لحرب على "الأشرار" عنواناً لدعوته. " مَن كان منكم بلا خطيئة فليرجم هذه المرأة بحجر" و" لماذا ترى القذى في عين أخيك ولا ترى الخشبة في عينك؟" فالمسيح استنكر فعلة الشرّ ونهى المرأة عنها. لكنه أنكر على الآخرين حقّ تعيين الأشرار. وحين خالف المسيحيون، بإسم المسيحية، هذا المبدأ، كانت محاكم التفتيش في إسبانيا وكانت مثيلاتها الكثيرات في بلدان أخرى وفي عصور أخرى. إذاً، خضع هذا المبدأ للإختبار في التاريخ، ولا يختلف إثنان على فظاعة نتائجه على الجميع: على الجلادين والضحايا معاً، وعلى القضية في ذاتها. مع ذلك نجد أنّ هذا المبدأ يعود، منذ ربع قرن، عنواناً للحرب على "الدول المارقة"، ثم يصير التأكيد عليه، بعد 11 أيلول، إيديولوجيا متكاملة لتعيين "محور الشرّ" وعالم الأشرار، وجعلهم موضوع الحرب التي تشنها القوة العظمى، الأميركية- الإسرائيلية.

التحوّل السلبيّ في علاقة المجتمع مع نفسه.

لقد قيل الكثير في أخطار هذه الحرب علينا من حيث آثارها التدميرية وأغراضها السياسية والإقتصادية في السيطرة علينا ونهب ثرواتنا. ولن أكرّر ما قيل في هذا الشأن، مع موافقتي على معظمه. لكنني أريد أن أحصر موضوعي في خطر إيديولوجيا هذه الحرب، التي تقوم على ثقافة تنميط "الآخر". على تعيين الأشرار الدائمين، والحرب المستديمة عليهم. على التعيين المسبَق لهم، والحرب الإستباقية عليهم. وخطر هذه الإيديولوجيا على مجتمعاتنا قد يفوق خطر العمليات الحربية نفسها. فإذا كانت العمليات الحربية تستهدف، في الغالب، ممتلكاتنا وثرواتنا ومنشآتنا، فإيديولوجيا هذه الحرب تهدّدنا في ذاتنا. وهي تهدّدنا من وجهين: بفعلها التنميطي الذي يستهدفنا، وبردّنا عليها بالمثل، أي بانتقال إيديولوجيا التنميط إلينا بالعدوى. مع خطر انسحابها على حياتنا، بحيث تحكم نظرتنا إلى الآخر وإلى الرأي الآخر في داخل مجتمعنا. وهذا يتمثل، في الغالب، بأحادية النظر، والتطرّف، والعنف، وصعود الغرائز، وتراجع العقلانية، والضيق بالآخر وجوداً ورأياً. أي بتقدّم وانتشار الظواهر اللاديمقراطية في أنماط الحياة والفكر والعلاقات في المجتمع.

التحوّل السلبيّ في علاقة الجتمع بالدولة.

ولكن هذا التحوّل السلبي لا يقتصر على ما يحصل في علاقة المجتمع مع نفسه، بل هو ينسحب على علاقته بالدولة وتحوّل هذه العلاقة إلى التصادم والعنف وفقدان الثقة. لا سيّما أنّ القوّة العظمى تمارس، إلى إيديولوجيا التنميط الحربية، سياسة الإذلال المنهجي على الدول والشعوب بعامّة وعلى دولنا وشعوبنا بخاصّة. والإذلال هو أقسى من التجويع على الشعوب، وكان عاملاً أوّل في الدفع إلى الثورات والحروب عبر التاريخ. ونحن نشهد الآن صعودأ قوياً للغضب الشعبي من الدول والأنظمة والحكام الذين يرضخون لهذا الإذلال أو يتجاهلونه أو يحاولون أحياناً أن يُبرّروه، ما يعمّق الهوة بينهم وبين شعوبهم. وترجمة هذه الهوّة هي فقدان الثقة وازدياد التطرّف والعنف عند كلٍّ منهما حيال الآخر، وتعمّق اليأس الشعبي من النضال السياسي وما يستتبع هذا اليأس من اللجوء إلى العنف.

وما يزيد في تعميق الهوّة بين الدول وشعوبها أنّ القوة العظمى، في ضوء إيديولوجيا الحرب على الأشرار، تطلب من الدول، بل تفرض على دولنا العربية والإسلامية بالأولية، أن تطارد الأشرار وتكافحهم بالعنف الأقصى. وذلك تحت طائلة معاقبة هذه الدول نفسها بتهمة التواطؤ مع الأشرار ومحور الشرّ إذا هي لم تفعل ذلك بالحدود القصوى المطلوبة. وفي غياب تعيين الشرّ وتحديده، أي بفعل الإصرار على عدم القبول بتحديد مفهوم الإرهاب، يصبح تعيين الأشرار غير محكوم بأي معيار أو حدود. فيُتاح، بالتالي، لمطالب القوّة العظمى من دولنا أن تتوسّع إستبدادياً وتعسّفياً بحيث تشمل قطاعات واسعة من شعبنا هي إلى تزايد مستمرّ. فتصبح مطاردة الأشرار وتوسيع نطاقها بشكل دائم هي الشغل الشاغل لدولنا. بل يُراد من هذه الدول أن تختزل نفسها ووظيفتها بالدور البوليسي لتعقّب الأشرار والتنكيل بهم. ومع كل طلعة شمس، تتوسّع لائحة المطالب من هذه الدول لتشمل جماعات ومؤسسات وأفراداً جدداً، وتتنوّع الإتهامات (ذات المصدر المخابراتي دائماً)، ويزداد الضغط على الدول بجميع الوسائل الترهيبية والترغيبية بما فيها وسائل الضغط والتهديد الإقتصاديَّين.

ينتج عن ذلك مشهد حياتي سياسي- أمني جديد في منطقتنا، يفوق خطره، بأضعاف، خطر الوضع الشاذّ الذي ساد حتى الآن في دولنا ومجتمعاتنا وحكم العلاقة بين الطرفين.

فدولنا، الآن، تجد نفسها على سندان بين مطرقتين: غضب شعوبها، وعقوبة القوّة العظمى. تماماً كما يحصل في النموذج الرائد الفلسطيني. فتحاول هذه الدول، في البداية، أن تقيم بعض التوازن. لكنّ تصعيد مطالب القوّة العظمى يصرّ على إخراجها من هذا التوازن، لدفعها إلى التصادم مع شعوبها.

أما مجتمعاتنا فقد تعاني، إلى التصادم مع دولها، إنقسامات حادّة في داخلها، مرشحة للتطوّر إلى نزاعات داخلية وربما إلى حروب أهلية. وفي خلاصة المشهد الذي ينتج عن إيديولوجيا المشروع الحربي، أو يقصده واضعو هذه الإيديولوجيا: دول مربَكة متصادمة مع شعوبها، وشعوب ناقمة على دولها إن لم تكن أيضاً منقسمة على ذاتها في نزاع وتصادم أهليَّين.

أما الخلاصة الأخيرة في ما يخصّ مصير الديمقراطية في سياق هذا المشهد الذي تحكمه وتختزله إيديولوجيا الحرب الشاملة والمستديمة على "الأشرار"، فهي تأتي من ضمن مصير الإنسان نفسه في سياق هذا المشهد. فثقافة الحرب الجديدة قد تقود إلى تعميق وتعميم ثقافة كُليّانية جديدة، إختزالية للإنسان، وهي أخطر عليه من الأنظمة الكُليّانية التقليدية التي كانت، في الغالب، تحكم وتصادر نشاطاته فقط، من دون الطموح إلى إختزاله أو من دون القدرة على ذلك.

استراتيجيا الحرب على المجتمعات

قد يبدو هذا المصطلح غريباً على القاموس الحربي. لكنه يعبّر عن واقع الحرب الغريبة علينا.

تتفرّد بها منطقتنا من دون سائر مناطق العالم. لذلك لا يفهمها العالم. أمّا لماذا لا نفهمها نحن، فهذا من غرائبنا نحن لا من غرائبها.

استراتيجيا الحرب على المجتمعات تعني أن الحرب تستهدف، بالأوّلية، المجتمعات لا الدول والأنظمة والجيوش. وهي إسرائيلية المنشأ، وأصبحت أميركية بالتبنّي. جذورها تمتدّ بعيداً في تاريخ الصهيونية. لكنها أصبحت استراتيجيا الدولة الإسرائيلية منذ الستينات، بعد أن هزمت إسرائيل الجيوش العربية، وبالتالي دولها، وقرّرت أن توجّه حربها إلى الشعوب العربية، بدءاً من شعبنا في فلسطين. وقد زخرت العقود الثلاثة الأخيرة بالوثائق التي تكشف هذه الستراتيجيا، وبالوقائع التي تؤكدها. ويأتي مشروع السلم الإسرائيلي وطبيعة شروط المفاوض الإسرائيلي، في سياق هذه الستراتيجيا، من حيث الطموح الإسرائيلي إلى خلق شرق أوسط جديد وفقَ خريطة جديدة لحياة شعوبه، موّهها شيمون بيريز بعناوين برّاقة كثيرة، على رأسها عنوان نشر الديمقراطية.

ثم يأتي النظام العولمي الجديد الذي تقوده القوة العظمى الأميركية- الإسرائيلية، ليعدنا ويتوعّدنا بخريطة جديدة لمنطقتنا تأتي من ضمن مشروع نشر الديمقراطية. ويحرص على قول ذلك بنَبرة حادّة وجادّة حتى لا يترك مجالاً للشك في أنّها تعني تماماً كل ما تقوله. ويتلمّس معظم الحكام العرب رؤوسهم ويهرعون إلى بعض الألبسة الديمقراطية ثم يهرولون للحصول على براءات ذمّة. ويتهيّأ بعض دعاة الديمقراطية للتزيُّن بأبهى حُلَلِهم لإستقبال الديمقراطية الآتية مع الخريطة الجديدة.

ثمّة سؤالان. الأوّل: ما هي طبيعة الخريطة الجديدة وما تريد تغييره؟ والثاني: ما هو مصير الديمقراطية في هذه الخريطة؟

جوابنا على السؤال الأوّل هو أنّ الخريطة الجديدة ليست سياسية تطاول الدول، بقدر ما هي إجتماعية وأمنية تطاول المجتمعات. وما تريد تغييره في حياتنا هو بالضبط ما تريدنا إسرائيل عمله: مجتمعات إمّا مدمّرة وإمّا في الجلاّدة.

جوابنا على السؤال الثاني أنّ الخريطة الجديدة ستقضي، في ما ستقضي عليه، على الحريات وفرص الديمقراطية. ومفاعيلها تلتقي وتتكامل مع مفاعيل إيديولوجيا الحرب على الأشرار التي سبق ذكرها. للدلالة على ذلك، أكتفي بمِثالين حيَّين راهنين، أرجو أن يكونا كافيين للردّ على تساؤلاتنا.

المثال الأوّل هو ما يجري في فلسطين. عنوان الخطاب الأميركي- الإسرائيلي للحرب القائمة على الفلسطينيين هو إصلاح النظام الفلسطيني وتغيير السلطة، لمصلحة الديمقراطية. أما واقع الحرب فهو أنّها على المجتمع، لسلبه حقّه في الحياة لا لمنحه حقّه في الحرية. حرب إبادة منهجية يقودها علماء إجتماع لا خِرّيجو كليات حربية. يفصلون المدينة عن محيطها، والقرية عن أختها، والمُزارع عن أرضه، والطالب عن مدرسته وجامعته، والمُنتج عن المستهلك، والجميع عن العالم الخارجي. يَضربون مؤسسة الطريق التاريخية التي ميّزت المجتمع الإنساني عن الحياة الحيوانية بإقامة التواصل المطّرد وحِياكة النسيج الإجتماعي، بينما خِرّيجو الكليات العسكرية يساعدونهم على دكّ مؤسسات المجتمع، الأخرى، لحرمان المجتمع من أسباب الحياة، فيما الخطاب الأميركي- الإسرائيلي يموِّه بالإعلان عن ضرب البنية التحتية للسلطة والنظام بغرض إصلاحهما لمصلحة الديمقراطية. والسؤال المغيَّب هو: مَن مِن الفلسطينيين سيبقى للتنعُّم بممارسة الديمقراطية، وفي أيّ وضع، وكيف، وأين، ومتى؟

المثال الثاني هو العراق. عنوان الخطاب الأميركي (إسرائيليّ المنشأ) فيه، هو إيّاه في فلسطين: إسقاط الحاكم وتغيير السلطة وإصلاح النظام، لمصلحة الديمقراطية. أمّا كيف ستكون حال المجتمع الذي سيمارس هذه الديمقراطية، فبعض التصريحات والعناوين الخاطفة تُنبئنا عنها. فقد قال الرئيس بوش الأب: "سنعيد العراق إلى العصر الحجري". لكنّ السيد الوزير جيمس بيكر كان أشدّ رحمة بقوله: "سنعيد العراق إلى العصر ما قبل الصناعي". والكلامان، يقالان في عراق القرن الحادي والعشرين، يرجّعان صدى المزمور التوراتي الثاني والعشرين: " وأنتِ يا بابل المُخرَبة، طوبى لمن يأخذ أطفالك ويضرب بهم الصخر". يبقى علىالرئيسبوش الإبن، الذي سيأتي العراق بالديمقراطية على رؤوس الرماح، أن يُنبئنا عن نوع الديمقراطية التي سيمارسها مجتمع العصر الحجري أو مجتمع العصر ما قبل الصناعي. ويبقى عليه أيضاً، وبخاصّة، أن يُنبئنا عن سلسلة الخريطة الجديدة التي يبشّرنا بها لمنطقتنا فور انتهائه من حلقة العراق. وكيف سينقل النموذج الديمقراطي من الحلقة العراقية أو الحلقة الفلسطينية إلى السلسلة بكاملها. وكيف سيتمكن أركانه من علماء الإجتماع أن يعيدوا المنطقة بكاملها إلى العصور الأولى؟ وهل سيكون للديمقراطية الموعود بها صيغة واحدة مُعمّمة، أم مجموعة صيَغ بحسب "الأعراق" والإتنيات والطوائف والمذاهب وشتّى العصبيات والمعتقدات العامّة والشخصية، أو بحسب الطَّور التاريخي الجديد في كلّ منها، المتدرّج من العصر الحجري إلى العصر ما قبل الصناعي؟ ومَن سيرعى حسن الممارسة عند هذه الديمقراطيات القبَلية الجديدة في نزاعاتها، ومَن سيضمن حسن سلوكها واحتواء "محور خيرها" الديمقراطي بحيث لا تتعدّى حدودها الجغرافية لنقل تجربتها الرائدة إلى العالم المتمدّن، المتخلّف عن هذه التجربة؟ لذلك يبقى على الرئيس بوش أن يجيب نفسه أوّلاً ثم أن يجيب الشعب الأميركي وشعوب العالم بأسره على السؤال الكبير الآتي: هل سيكون العالم، لا سيّما أميركا وإسرائيل نفسها، أكثر أماناًًًًًًًًً أم أقلّ أماناً إذا قُدِّر لهذه الخريطة المسخ أن تصبح واقعاً جديداً للمجتمع والإنسان في منطقتنا؟

مسؤولية المثقفين والإعلاميين.

وفي الختام أريد أن أتوجّه إلى المثقفين والإعلاميين العرب بشكل عامّ وإلى الحريصين منهم على مستقبل الحريات والديمقراطية عندنا بشكل خاصّ. إنّ هذه الحروب على مجتمعاتنا هي الآن العامل الأساس في تهديد هذا المستقبل. وقد يَنتج عنها أوضاع جديدة في مجتمعاتنا ودولنا تجعلنا نترحّم على أوضاعنا الراهنة البائسة. لذلك نقول إنّ الإسهام في إيقاف هذه الحروب يجب أن يأتي في أوّليات إهتمامات ومسؤوليات الحريصين على الحريات والديمقراطية. وتأتي مسؤوليات المثقفين والإعلاميين في الطليعة. فهذه الحروب هي، في جانب كبير منها، ثقافية إعلامية بامتياز. فالقوّة العظمى التي تملك أعظم ترسانة حربية في التاريخ وفي عالمنا المعاصر، نراها تشعر بالحاجة إلى رِبح الحرب السياسية والثقافية- الإعلامية قبل أي شئ آخر. وهي تولي أهمّية خاصّة لهذا الشأن وتبذل جهوداً سياسية وإعلامية وثقافية تساوي جهودها العسكرية، إن لم تكن تفوقها.

وإذا كنا لا نستطيع أن نتصدّى عسكرياً للقوة العظمى وإرادتها الحربية، فنحن نستطيع أن نتصدّى لحروبها إعلامياً وثقافياً. ونحن في هذا الميدان، الآن، في وضع قويّ وإلى مزيد من موقع القوّة، في ضوء تنبّه الرأي العامّ العالمي لأخطار هذه الحروب، وصعود الحركات المناهضة لها. فقد بدأت تتكاثر الأقلام والأصوات التي تعبّر عن هذا الموقف وتغذّيه في العالم كله بما فيه أميركا نفسها. وبدأت تتكوّن إرادة سياسية في أوساط عالمية واسعة، شعبية ورسمية، كانت تفتقد هذه الإرادة. لذلك نرى سلطات القوّة العظمى في عجلة من أمرها للقيام بعملياتها العسكرية، وهي الآن في سباق مع حركة الوعي والإعتراض الصاعدة والمتوسّعة. ولكننا، في هذا السّباق الخطير، نفتقد الأقلام والأصوات العربية تتوجّه إلى الرأي العامّ العالمي، في أوروبا وأميركا بشكل خاصّ، فضلاً عن البلدان الأخرى. فكأنّ معظم مفكّرينا وإعلاميينا قد استقالوا من هذا الميدان وأوكلوا قضية المواجهة الخارجية إلى الدول العربية، ثم حصروا اهتمامهم بلَوم هذه الدول، مع عِلمهم المسبَق بعجزها وفقدان الإرادة السياسية عندها.