ماذا عن حقيقة 11 أيلول؟

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2005

أرادت سلطات القوّة العظمى أن تجعل من 11 أيلول مولداً لرسالة جديدة وعالم جديد. وأن تجعل من 2001سنة أولى لتاريخ جديد. فيؤرَّخ بها. بما قبلها وبما بَعدها. ويسيرالعالم بهدي رسالتها.

وإذا كان التاريخ الميلادي قد احتاج إلى بضع مئات من السنين، والتاريخ الهجري إلى عشرات السّنين، لكي يأخذا بُعدَيهِما العالمي، فطموح "الرسالة" الجديدة أن تتعولم بسرعة هذا الزمان. وقد فخرت المجموعة "الرسولية" الحاكمة في واشنطن، على لسان الرئيس بوش، بأنها استطاعت أن تغيّر وجه العالم في خلال "بضع مئات من الأيام".

لقد تغيّر وجه العالم بالفعل، بعد 11 أيلول. تغيّر بسرعة هائلة غير مسبوقة. وطاول التغيير، بنِسَب متفاوتة وبشكل أو بآخر، كل ما يحكم حياة الناس في السّياسة والأمن والحريات والإقتصاد والعلاقات. على مستوى الدول، والمجتمعات، والأفراد. في الحياة العامة والخاصة، كما في الثقافة، أي في أنماط الحياة والفكر والعلاقات والمشاعر وفي نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى العالم. فأصبح كل مواطن في العالم معنيّاً بما يحدث. وأصبح، بالتالي، من حق كل إنسان ومن واجبه أن يعرف ما يحدث وأن يحكم فيه.

من حقّه أن يعرف حقائق 11 أيلول (وهو نقطة الإنطلاق ومحور الأحداث): حقائق هذا اليوم المشؤوم في ذاته، وحقائق ما سبقه وما تبِعه. فالرّواية الرسمية يعارضها بعض الوقائع وينقضها. ومصداقية المجموعة "الرسولية" يهزّها إنكشاف آليات الكذب وعمليات التضليل.

ومن حقّه أن يعرف حقيقة التغيير الذي أحدثته مجموعة واشنطن في العالم. في أيّ إتجاه حصل هذا التغيير؟ هل كان إلى الآمَن والأفضل أم إلى الأخطر والأسوأ؟

يزيد في ضرورات معرفة الحقائق أنّ المجموعة "المقدّسة" تُنبئنا أنّها ماضية في مشروعها الحربي التغييري، وهي تسعى لتخفيف أعبائها في العراق كي تنصرف إلى حرب جديدة في بلد آخر، كما فعلت حين خفّفت أعباءها في أفغانستان لتتفرّغ للعراق. ما يعني أنّ كشف الحقائق ليس فقط حقاً أوّلياً لتقويم الماضي والحكم فيه، بل هو حقّ وواجب في شأن مصيري يتعلّق به مستقبل الإنسانية. ونحن اليوم بالذّات من هذه السّنة، في الذكرى الثانية لِ11 أيلول الأول الذي بقي غامضاً إلاّ لصانعيه، وبعد حربين غامضتين مثله في خلال سنتين، لا يحقّ لنا أن نبقى على هذا الغموض في ما كان وفي ما سيكون.

لا شئ يُخرِج الحقائق من الظلمة إلى النور إلاّ التّحقيق في القضية. والتّحقيق الآن من دون تأخير، ونحن في مطلع السنة الجديدة في التقويم الحربي الجديد. فإما أن تكون السنة الثالثة هذه سنة التّحقيق لإجلاء الحقائق وبدء الخروج من كابوس السنتين، وإما أن تكون السّنة تصعيداً حربياً جديداً يفرض وقائع عنفية جديدة على حياة جميع الأطراف، المعتدية والمعتدى عليها. فتختلط الأمور بعدها ويصعب التمييز بين الفعل وردّ الفعل، بين الحرب على الشرّ والأشرار وبين صناعة الشرّ والأشرار، بين المسؤولية عن التمدّن والتقدّم نحوه وبين العودة إلى البربرية وتسابق جميع الأطراف إليها. ثم نواجه ما هو أدهى من الدكتاتوريات. نواجه نظاماً توتاليتارياً عالمياً يرعى ويغذي جميع التوتاليالريات في معسكره وفي المعسكرات المواجهة. شرط التحقيق أن يشمل كل شيء. 11 أيلول، وما قبله، وما بعده. موضوع ما قبل 11 أيلول ينضوي تحت سؤال كبير: لماذا كانت المجموعة المتسلّطة كلّية المعرفة بما يجب أن تفعله بعد حدث 11 أيلول وقد هيّأت كل شيء لهذا الغرض، فيما كانت كلّية "الجهل" بما يجب أن تفعله لمنع حصول الحدث الذي كانت تتوقّعه، ولم تفعل شيئاً لهذا الغرض؟

أما 11 أيلول في ذاته فلم يصلنا من "حقائقه" إلاّ ما يسرّبه "المحققون"، وما نعرفه عن وجود معسكرات الإعتقال. المعلومات تصلنا من أشباح لا إسم لها، عن معتقلين لا هوية لهم. لم نسمع صوتاً مباشراً واحداً يأتينا من أقفاص المعتقلين. ولم نسمع شهادة حيّة واحدة من "الأشرار" الذين استحقوا القتل، وهم بالآلاف أو عشرات الآلاف. فلماذا هذا التكتّم الشديد على الوقائع، ولماذا هذا التّغييب "لأبطال" الجريمة، بالإعتقال أو بالقتل؟ التحقيق في 11 أيلول يجب أن يبدأ في واشنطن لا في غوانتانامو أو كابول أو بغداد.

أما عن السنتَين الماضيتًين، فالتّحقيق يجب أن يشمل ما صنعه الحلفاء في أفغانستان والعراق، في الحرب وفي ما بعد الحرب، وفي ما هما عليه الآن. وهل كان من باب الصّدفة أن يدمًّر كل ما يسمح للعراقيين أن تقوم لهم قيامة، أو أن ينهضوا، أو أن يلتقوا على قضية جامعة، فتحترق المكتبات العامّة والمتاحف والمدارس والجامعات ومراكز الوزارات، وتُدمًّر مراكز الصناعة كلها في بغداد، ويُنكًّل بالموارد البشرية من كفاءات علمية وإدارية ومعرفية بعامّة؟ وما هي كلفة إعادة تعمير ما دمّره الحلفاء بعد انتهاء العمليات العسكرية الأساسية تحديداً؟ وهل أفغانستان والعراق هما الآن في اتّجاه الأمن والحريات والحياة الطبيعية، أم أنهما في الإتجاه المعاكس تماماً؟ وهل البلدان الأخرى في العالم، هي لمزيد من الأمن والإستقرار والحريات، بفضل عقيدة الحرب على الإرهاب التي فُرضت عليهم، أم هي لمزيد من العنف والتصادم في ما بين فئات الشعب وبين الشعوب وحكوماتها؟ وهل فعلت القوّة العظمى شيئاً آخر غير نقل العنف من ساحتها إلى ساحة هذه البلدان؟ وأخيراً، هل أسهمت عقيدة الحرب في تعزيز قيم التمدّن في العالم، بما فيه أميركا نفسها، أم عملت على تعزيز القيم والمفاهيم والخلقيات القبلية وحركات التعصّب والتطرّف في العالم كله، بما فيه أميركا نفسها؟ ويأتي ذلك كلّه من ضمن السؤال الكبير: هل تغيير وجه العالم، الذي هنّأ الرئيس بوش نفسه عليه، هو في اتّجاه الآمَن والأفضل أم في اتجاه الأخطر والأسوأ؟

السؤال: من يقوم بالتّحقيق؟

الجواب: التّحقيق أصبح من حقّ الجميع. وقد حان لهذه القضية الخطيرة أن تخرج من الظلمة إلى النور.

في الصّعيد الأميركي، حان لهذه القضية أن تنتقل من يد المجموعة المتسلّطة إلى السلطات الشرعية بكامل مؤسساتها وأفرادها. وحان لملفّها أن ينتقل من قبضة الأجهزة ودائرة مروياتها، إلى يد القضاء ووضوح الوقائع. وحان للمواطن الأميركي أن يعرف الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، في شأن يمسّ حياته وأمنه في العالم وعلى الأرض الأميركية.

وفي الصّعيد الدولي العامّ، حان للأمم المتحدة، التي تُمثّل جميع الشعوب، أن تحقّق في قضية خطيرة تطاول جميع الشعوب وتهدّد مصائرها مجتمعة أو واحداً بعد الآخر.

وفي الصعيد الغربي بخاصّة، حان للحلفاء الأوروبيين الأساسيين في الحلف الأطلسي على الأقل، أن يكون لهم حقّ الشراكة في التحقيق قبل أن يُفرَض عليهم واجب الشراكة في المسؤولية والتبعات.

وفي الصعيد الإنساني، صار التحقيق من حق كل مواطن وواجبه في العالم. ونحن نشهد آلافاً من المناضلين والمناضلات يتجندون بشجاعة للكشف عن الكذب والتضليل في الرواية الرسمية الأميركية ومرويّاتها اليومية عن 11 أيلول، على غرار ما يفعله موقع " www.reseauvoltaire.net " في فرنسا مثلاً، متحمّلين كل أنواع التشهير والتنكيل.

لقد حان لهذه القضية أن تخرج من الظلمة إلى النور قبل أن تغيّب العالم كله في ظلماتها.