رسالة مفتوحة الى رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الأمين علي قانصو

نشرت في مجلة الديار

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الجمعة 17 آذار (مارس) 2006

اخترت ان اوجه اليكم رسالة مفتوحة، لا رسالة مكتومة، لعدة اسباب، اهمّها إثنان:

الاول يعود الى قناعتي بأنّ النقاشات في الدوائر المغلقة، لا سيما في دوائر الحزب المركزية بوضعها القائم، صارت عقيمة، تدور على نفسها، وبالتالي عديمة الجدوى. أما الاقتراحات الرسمية المكتومة فلم يعد النظر فيها ينطلق من اعتبارات الشأن العامّ بقدر ما صار النظر اليها يخضع لقانون الحسابات الفئوية او الشخصية البحتة.

وفي حين كان الحزب في مطلع التسعينات يتطلع الى مشروع استنهاضي جامع يقتضي تجاوز الشعور بذاتية الحزب نفسها الى مجتمعية قضيته، نرانا الآن، بهذا الخصوص، تحت نقطة الصفر، اذ صار من طموحنا ان نحمي ذاتية الحزب هذه من تسلط الافراد والنزعات الفئوية المستحكمة التي اصبحت ثقافة متفشية.

اما السبب الثاني، والاهمّ، لتوجيهي اليكم رسالة مفتوحة لا رسالة مكتومة، فيعود الى انّ القضية التي قام الحزب من اجلها وانتدب نفسه لها هي قضية عامّة. من واجب الحزب ان يحملها ويعلنها وينصرها، وليس من حق الحزب ان يحجبها ويغيّبها. انها ملك عام، ملك المجتمع، اذا صحّ تعبير الملكية. لا هي ملك اعضاء الحزب ولا هي ملك الحزب نفسه الذي هو ايضاً ملك عامّ. والجريمة في تغييب الحزب وقضيته تقع في نطاق الحق العام. وهي جريمة حاصلة.

واذا كان الحق العامّ يطاول الجرائم العادية التي تتعدى مفاعيلها حدود الضحايا والمتضررين المباشرين من افراد او فئات خاصّة، فهو يطاول، بالاحرى وباضعاف لا محدودة، جريمة تغييب القضية التي يتوقف عليها مصير المجتمع بكامله. والمجتمع، الآن، مهدد في وجوده. فللحق العام، هنا، خصوصية تتمثل بحق كل مواطن، تماماً كما تتمثل بحق كل عضو في الحزب، ان يسأل ويسائل قيادات الحزب عن غياب الحزب عن قضيته فيما هي تتعرض لأشرس حرب عليها بقصد تصفيتها. لماذا نرى قضايا الافراد وقضايا الطائفيات والمذهبيات والعرقيات متقدمة، وهي تجد من يرعاها وينصرها، فيما قضية الحزب، قضية المجتمع، قد تراجعت الى حدود الخطر على وجودها، وهي تفتقد من يرعاها وينصرها لا سيما القيادات المؤتمَنة على حمايتها وتحقيق انتصارها؟ بل ان ّمن حقهم جميعاً ان يعرفوا هل كان ذلك لعلة في هذه القيادات ام لعلة في القضية نفسها. علماً أنّ كل اصرار من هذه القيادات على انّ العلّة ليست فيها هي، يعزز الشكوك في مصداقية الحزب نفسه وسلامة قضيته، اي في مبرّر وجودهما اصلاً واستمرارهما حالياً ومستقبلاً. وهذا يعني، بالتالي، التشكيك في شعبنا بذاته، موضوع ايماننا ورهاننا الأساس.

لقد جئت بهذه الرسالة المفتوحة لا المكتومة لأنّ من حقهم جميعاً ان يتأكدوا من حقيقتين:

الاولى أنّ العلة ليست في شعبنا وحزبنا. فشعبنا شعب حي، وقضية حزبنا هي ضمانة حياته. كانت الضمانة الأولى منذ نشوئها، وهي تتأكد الآن بالذات اكثر من اي وقت مضى.

والحقيقة الثانية، التي من واجبكم انتم ان تؤكدوها علناً حرصاً على مصدقية الحزب وقضيته، أنّ العلة هي في القيادات الحزبية. لا في مجموع اشخاصها والوضع الشاذ والعاجز الذي وُضعوا فيه، بل في القيم والمفاهيم والعقلية الاخلاقية المعكوسة التي سادت فيها وتحكمت بها.

في الحقيقة الاولى نقول: انه لو لم يكن حزبنا وقضيته قد انشئا في السابق لكان من الضرورة المصيرية والواجب انشاؤهما الآن. سأكتفي، هنا، بوجه واحد، راهن وأساس، يجعل من قضيتنا السلاح الاول لحفظ امن مجتمعنا في الحرب القائمة عليه هو بالذات في المقام الاول. فبعد ان أمّنت اسرائيل انتصارها العسكري على الدول والجيوش، تحوّلت الى عقيدة الحرب على المجتمع. وإذا كانت، في حربها العسكرية، قد عملت على ضرب الجيوش وتدمير فعالية سلاحها، من طائرات ودبابات ومدافع وصواريخ وغيرها، فهي، في حربها على المجتمع، تهدف الى تدمير حياة المجتمع بدءاً بنزع سلاحه الانساني، اي بتغييب القضية التي انشأها حزبنا والتي هي السلاح الأول الصالح لهذه الحرب بالذات. فما يستطيعه المجتمع في هذه الحرب، لا تستطيعه الجيوش. ما يستطيعه القومي الإجتماعي والمواطن الواعي في هذه الحرب على المجتمع ووحدته وارادة الحياة فيه، لا تستطيعه الطائرة او الدبابة او المدفع والصاروخ. من هنا نقول انه لو لم يُنشأ الحزب وقضيته من قبل، لكان من الضرورة والواجب انشاؤهما الآن. وإنّ عدم انتصارهما حتى الآن قد ادّى الى ما نحن فيه. وانه من قدرهما الآن أن ينتصرا في المجتمع لتحصينه وتسليحه بهما، لأنّ من دون ذلك انكسار مجتمعنا وزواله. من هذا المنطلق أعود الى الحقيقة الثانية وهي حالة الحزب الراهنة وغيابه عن قضيته. فهو غياب عنها مسؤول عن تغييبها، مع ما يعني ذلك من يأس وكوارث. ليس من حق القيادة الحزبية ان تخفي هذه الحقيقة او ان تتجاهلها مكابرة. وليس من حقها أيضاً ان تعلل القوميين الاجتماعيين والمواطنين بالوعود، فيما هي لا تعمل الا لمجرّد الاستمرار في طريق الانحدار. فيا حضرة الرئيس، لا أنت ولا غيرك قادر على النهوض إنطلاقاً من هذا الوضع. لا أنت ولا غيرك قادر ان يستنهض قوى الحزب والقوى الحية والواعية في المجتمع. وحده مشروع كبير، على مستوى الحزب والمجتمع، قادر ان يستنهض ويستنفر ويجمع. وحده مشروع استثنائي، يستنبط افكاراً وخططاً ووسائل استثنائية ويضع أطراً استثنائية تتسع لجميع قوى الحزب وللقوى الحية في مجتمعنا، وتتنوّع بحيث تشمل كل وجوه هذا الصراع المصيري وبحيث تشمل كل ساحاته، في الوطن وفي الخارج؛ وحده مشروع استثنائي يمكنه ان يخرجنا من الطريق المسدودة.

وهنا ايضاً، ليس من حقكم ان تزعموا او ان تفكروا ان وضع هذا المشروع الاستثنائي هو من اختصاص دوائركم العادية حصراً. وليس من حقكم ان تقرروا انتم سلفاً من هم الاصلح لقيادة هذا المشروع وتنفيذه. شرط هذا المشروع علينا ان تعمل عليه كل طاقات الحزب، العقلية والنضالية، وان تسهم فيه كفاءات المواطنين، من قوى المجتمع الحية والواعية، الذين يلتقون مع الحزب على ثوابت في المنطلق والأهداف، وهم كثر والى زيادة متى شعروا بجدية الحزب وتصميمه وبإقباله عليهم بروح الانفتاح والشراكة في المسؤولية.

حضرة الرئيس،

بناء على ما تقدم، اقترح عليكم ما يلي:

ان تعقدوا مع المجلس الاعلى جلسة خاصة لبحث مضمون هذه الرسالة؛

ان يقرّر المجلس الاعلى بالتوافق مع رئيس الحزب إعلان فترة مفتوحة لوضع المشروع العتيد، ودعوة جميع القوى الآنفة الذكر للمشاركة في وضعه؛

ان يستقيل المجلس الاعلى ورئيس الحزب، بعد وضع المشروع وإقراره، وان توجَّه دعوة لانتخاب مجلس اعلى جديد، ينتخب بدوره رئيساً جديداً؛

ان تعلن قيادة الحزب، منذ الآن، هذه الخطوات.

حضرة الرئيس،

الفضل الاساس في تحقيق هذا الاقتراح انه، في المنطلق، يسهم في تأكيد مصداقية الحزب وقضيته، وفي استعادة مصداقية القيادة.

والفكرة الأساس في هذا الإقتراح هي أوّلية المشروع. فالمشروع، في المبدأ، يستحق هذه الأولية. وهو، من الناحية العملية وفي الوضع الراهن، يحقق عدة اهداف: يوفر القدرة على الإستنهاض والجمع، في الحزب وخارجه، بفعل حافز الوضوح في الرؤية؛ يؤمّن الإلتزام به من جميع الأطراف، بحكم إشتراك الجميع في وضعه؛ يؤمن معايير للجسم الناخب في إختيار الأشخاص؛ وأخيراً، يأتي المسؤولون الجدد وأمامهم أساس مشروع يبنون عليه خططهم وتتوفر الإرادة العامّة لتنفيذه. نقطة أخيرة أريد ان أوضحها وهي تتعلق بي شخصياً. فقد اتخذت قراري بأن لا اتحمل اي مسؤولية إدارية في الحزب. وهذا لا يعني ابداً انني استقلت من النضال. إلا انني قد اخترت ميدان نضالي القومي الإجتماعي، وأنا أقوم به. * الرئيس السابق للحزب السوري القومي الاجتماعي