الفصل الرابع

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2006

IV عولمة الرعب الحرب الأميركية – الإسرائيلية على العالم

رأينا مشهد الصدمة الأُولى للكارثة، وفيه صورة حسّية مأسوية لما عانتْه المدينة بملايينها الأربعة في الساعات الأولى، وما شهدتْه من إرباكات على مستوى السلطات والأجهزة والفِرَق المُوَلّج إليها الإسعاف والإنقاذ. وملخصّها صورة العجز عن مواجهة الحالة، والتعقيدات الكبيرة التي فاجأت السلطات والمواطنين معاً. قضى إعلان حالة الطوارئ بأن يتجنّب الناس الإنتقال خوفاً من التسريع في إنتشار العدوى، والناس بعيدون عن بيوتهم وعائلاتهم. وقضى بأن يتجنّبوا تناول الطعام والشراب في الأماكن العامّة والمطاعم، وليس للناس خيار آخر وهم في المدينة. ما زاد في التوتّر والذعر وأدّى إلى حالة هي فوق طاقة الإحتمال.

لكنّ هذه الحالة لم تدُم طويلاً، لأن التدبير القاضي بتجميد الناس في أماكنهم كان تعجيزياً وغير ممكن. كان لا بدّ من إعادة جمع شمل العائلات والسماح بإنتقال أفرادها إلى بيوتهم. بعد جمع العائلات، إستمرّت المعاناة بوجوه جديدة. إستمرّ ظهور الإصابات بشدّة، لا سيّما أن عملية إنتقال الناس إلى بيوتهم والعيش مع عائلاتهم أسهمت في نقل العدوى، لأن مسلك الأفراد في وسطهم العائلي وبطبيعة العلاقات العائلية تحت سقف واحد، هو أقلّ تقيّداً بقواعد الوقاية منه في أيّ وسط آخر. وقد امتدّ ظهور الإصابات الجديدة لفترة زمنية أطول من توقُّعات المراجع الطبية. ورافق هذا الإمتداد الزمني للوباء إمتداد جغرافي بفعل التنقّلات الكثيفة قبل إكتشاف الوباء وبعده. [1]

إستمرّت الحالة المأسوية أربعة أسابيع تقريباً بكلّ بؤس الناس، وذعرهم، وشكوكهم في أنفسهم وفي كل مَن حولهم وما حولهم. فكانت هذه الأسابيع الأربعة شهر الكارثة الفعلية للمدينة وأبنائها، وشهر الفجيعة الكبرى لأميركا كلّها. الحصيلة الرقمية الأخيرة، في خلال الشهر، كانت مذهلة. عدد الضحايا تجاوز الخمسين ألفاً، يقابلهم ضعف هذا العدد من المصابين الذين عولجوا أو ما زالوا قيد العلاج، فضلاً عن الذين لا يزالون في ريبة من أمرهم. [2] أمّا الرقم المالي في الخسائر، فقد تجاوز مئة بليون دولار [3] حسب تقدير الدولة وخبراء الإقتصاد والمال. وهذا الرقم يشمل، في ما يشمل، الأضرار والمعاطب الماديّة المباشرة، وكلفة الإستنفار الأمني والوقائي والعلاجي بما فيها كلفة الخدمات الإسعافية [4] وكلفة إزالة التلوّث، ومفاعيل الشلل الإقتصادي والحياتي، في خلال هذا الشهر، من دون الأخذ في الإعتبار الخسائر والإصابات البشرية، والنتائج الإجتماعية والنفسية وغيرها التي انعكست على الإقتصاد الأميركي كلّه في شكل مباشَر والتي قد تظهر لها إنعكاسات أكبر في الَمدَيَيْن المتوسِّط والبعيد. [5] هذا في الأرقام وفي الوضع المأسوي العامّ، لاسيما بالنسبة إلى الضحايا والمصابين. لكنّ أبعاد الصدمة - المأساة تجاوزت، بالنسبة إلى الناجين من الكارثة، "حدود الأسى ومراسم المآتم". [6] أميركا كلها كانت تغلي، في خلال هذا الشهر، بالتفاعلات القوية على مستوى السلطة والمجتمع، من وقع الضربة ومفاعيلها المباشرة.

كيف تطوّرت هذه التفاعلات منذ اليوم الأول وفي خلال الشهر على كل المستويات؟

كان الشعور بالفاجعة مسيطراً في الساعات الأُولى، وحتى في الأيام الأولى. بعدذاك إستيقظ الشعور بالغضب، وبدا كأنه يتقدّم الشعور بالفاجعة في ذاته. عندما تصاعدت المشاهد المأسوية بعد الأيام الأولى، صار الشعور بالغضب ينمو ويقوى مع تفاعلات الفاجعة وصعودها ومع ظهور حجم مفاعيلها وأبعادها. بدا الغضب، في البدء، تعبيراً عن رفض الواقعة أو التسليم بحدوثها. كأنّ الشعب الأميركي لا يريد أن يصدّق ما يراه ويسمعه ويعانيه، ولا يريد أن يسلّم بعبثية ما حدث ويحدث. كأنّ إعترافه بحقيقة الحدث الراهن يعني إنكاره لمسلّمات حياته، أو إعترافه وتسليمه بالإنقطاع الكامل عن مشهد حياته اليومية الأليف والآمِن. حلقة واحدة هدّدت كلّ سلسلة حياته في ماضيها ومستقبلها. يرفض أن ينتقل، بلحظة، من الطمأنينة الكليّة والشعور بالأمن والسلامة، إلى القلق الكلّي والشعور بأنّ أمنه وسلامته أصبحا رهناً للأقدار. كان وراء هذا الغضب شعور عميق بالمهانة. فقد أُهينت الكرامة الأميركية على الأرض الأميركية. لم يجرؤ على ذلك أحد منذ الإستقلال ( أي منذ 1776).

الغضب رافقه ثلاثة أمور في المرحلة الأولى : إلتفاف حول السلطة ومنحها الثقة والتأييد. الضغط على الدولة ومطالبتها "بالقيام بعملٍ ما" [7] ردّاً على العملية. وحصول أعمال تهجّم وعنف ضدّ بعض المؤسّسات الإسلامية والمواطنين الأميركيين المسلمين أو من أصل عربي.

ثم صدرت تصريحات عن حركات ومنظّمات أميركية متطرّفة تهدّد بإتّخاذ خطوات إنتقامية ضدّ أطراف خارجية معيّنة [8] في حال لم تسرع الدولة في الرد "الملائم". ولمّح بعض المنظّمات الأشدّ تطرّفاً وعنفاً إلى أنه لن يتردّد في توجيه ضربته إلى السلطات الأميركية نفسها إذا هي تقاعست أو تأخّرت في الردّ الملائم.

وتحرّكت منظمات وتيارات أميركية كانت تبشّر بفناء العالم وتعمل له، وهي كثيرة ومتناسلة بخصب في المجتمع [9] مثل ال"ألفيين" وال"هيكليين" وأتباع ال"أرماجدّون" و"شهود يهوه" وغيرهم. إعتبرتْ ما حدث إشارةً صريحة لبدء تحقُّق النبوءة، وحلقةً أولى من مسلسل فناء العالم. وقد نشطت من اليوم الأول على إعتبار أن مهمتها هي تسريع العملية. وتبيّن من حجم نشاطها وفعاليته أنها واسعة الإنتشار في الدوائر الحكومية العليا وأوساط الجيش، وأنها ذات نفوذ قوي فيها.

أمّا على مستوى الدولة، فكانت حالة المسؤولين في الدوائر العليا تتّسم بالهستيريا وبإرادة الإنتقام، لا سيّما أن ثمّة فريقاً مهيمناً في هذه الدوائر كان وراء الحملة التحريضية للمسؤولين ووضعهم في جوّ وقناعة بأن الرّد هو قَدَرٌ لا مفرّ منه، من دونه تفقد أميركا كل ما بنت عليه في الداخل والخارج. [10] وأن هذا الردّ يجب أن يحصل في أسرع وقت ممكن [11] كي تستردّ أميركا فعل المبادرة وتضع العالم أمام الأمر الواقع. [12] وأنّ ذلك يقطع الطريق على كل التردّدات والإلتباسات المحتملة، في الداخل والخارج. ومن شأنه أن يستبق أيّ ضربة كان تقوم بها فئة أميركية ضدّ أهداف في الخارج أو الداخل، أو ضدّ السلطة الأميركية نفسها.

كان الرئيس الأميركي قد أعلن في خطابه الأوّل أنه سيقتصّ من المجرمين. وهذا كلام طبيعي يصدر عن موقع الرئاسة في مثل هذا الموقف، لأنّ من شأنه أن يطمئن الأميركيين إلى قدرة أميركا وأن يهدّئ المشاعر. لكنّ المُلفت وغير الطبيعي أنّ المسؤولين الأميركيين، الأمنيين والعسكريين قبل السياسيين، سارعوا في مساء اليوم نفسه إلى التصريح بأنّ الردّ سيأتي سريعاً، وسيلقّن الفاعلين والآخرين درساً بأنّ أميركا تعرف على من تردّ، وكيف تردّ، وهي قادرة على الردّ الحاسم. وسبقت هذه التصريحات ورافقتها حركة مداهمات تركّزت في شكل خاصّ على العرب والمسلمين، وحركة إستقصاء وتعقّب وعمليات إستجواب مع المواطنين الأميركيين منذ الساعات الأُولى، يُسألون فيها عن زملائهم "الأسيويين" و"الشرق أوسطيين" تحديداً. وفي الليلة نفسها أعلن مسؤول أمني رفيع أنّ المعلومات الأوّلية تشير بوضوح إلى هُويّة الفاعلين. تَبِع هذا الإعلان عرض صوَر لأشخاص مشبوهين، معظمهم "شرق أوسطيون"، بدأ عددهم يتكاثر في خلال الليل على شاشات التلفزيون. واكتفت السلطات بإعلان إجراءات المطاردة التي تقوم بها، وتحفّظت كلياً من إعطاء معلومات أولية معلّلةً ذلك بالأسباب الأمنية.

تتابعت هذه الأُمور في الأيام الأولى، وكانت كافية لتوجيه الأنظار والمشاعر ضدّ المسلمين والعرب على الصعيد الشعبي. ثُمّ بدأت السلطات تعيّن هُويّة الفاعلين الشخصية وتعطي المعلومات عن جنسياتهم وسِيَر حياة بعضهم وسوابقهم الإرهابية. لكنها تحفّظت من إعلان الدولة المسؤولة عن العملية، مكتفيةً بالقول إنها باتت تعرفها. ثُمّ بدأت وسائل الإعلام، الرسمية وغيرها، تُبرِز الأخبار عن الدول "المارقة"، [13] وعن سِجِلِّها الإرهابي السابق والعمليات التي كانت مسؤولة عنها في العقدين الأخيرين. ولم تنسَ السلطات الأميركية أن تستبعد مسؤولية الدول غير الإسلامية وغير العربية في لائحة الدول المارقة، ما يجعل الإتّهام يقع على إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية في تلك اللائحة، وهي سوريا، والعراق، وليبيا، والسودان، وإيران. وبدأت الحملة بعد ذلك تشتدّ على المنظّمات الإسلامية المتطرّفة، مع التذكير بعمليات إرهابية سابقة على الأميركيين والأوروبيين في شكل خاصّ. هذه الحملات الإعلامية المركّزة كانت تأتي مع المشاهد الفظيعة في المدينة الأميركية المنكوبة، ومع بعض مشاهد الغضب عند الشعب الأميركي، وهو يطالب بالإقتصاص من المجرمين.

كانت أخبار أميركا في كل شاشات العالم، وكانت تستأثر بغالبية البرامج الإخبارية بشكل كامل، نظراً لأهمية الحدث في ذاته، ولما يُمكن أن يترتّب منه على الساحة الدولية.

ماذا كان يجري في الدوائر العليا السياسية والأمنية في أميركا؟

على المستوى الرسمي والعلني، كانت السلطة بكاملها موحَّدة ومستنفَرَة للحرب، للثأر لكرامة أميركا ولدماء أبنائها. أمّا في داخل المؤسسات والدوائر، فقد كانت ثمة رؤية أُخرى متعقّلة تدعو إلى إيقاف هذه الهجمة أو إلى التخفيف من حدّتها، خوفاً من أن تُفلت من السيطرة، لا سيّما في الموضوع الأمني، وتنعكس سلباً على المجتمع الأميركي، إنْ لم يكن على الدولة الأميركية وعلى العالم كلّه. وقد تمثّلت هذه الجهود العاقلة في السلطة الأميركية ودوائرها المتخصّصة، بمطالعة إستثنائية أُنجزتْ بسرعة، أعدَّها وقدّمها في شكل تقريرٍ، كبارُ الخبراء بالتعاون مع بعض المسؤولين الأمنيين وبتشجيع من عدد من السياسيين الذين كانوا في الظلّ. وقد إعتمدوا، في هذا التقرير - المطالعة، على أبحاث وتقارير سابقة أعدّها هؤلاء الخبراء والمسؤولون منذ أن بدأت أميركا تُعلِن عن الخطر الإرهابي وتتجنّد له في تصريحات المسؤولين والإعلام شبه الرسمي. وهو تقرير يتضمّن توصيات وسيناريوهات مختلفة لكيفية التعامل مع العمليات الإرهابية في حال حصولها. وكانت تلك الأبحاث السابقة، الدقيقة والمفصّلة، قد إستشرفت مجمَل الإحتمالات ووضعت توصيات في ما ينبغي أن يكون عليه سلوك أميركا في حال تعرّضت لأعمال إرهابية بأسلحة الدمار الشامل.

هل تردّ أميركا عسكرياً؟ على من تردّ؟ كيف تردّ؟ بعض مؤيّدي الردّ العسكري أنفسهم يجيب عن هذه الأسئلة بالتحفظ. يشترط وجود مبرّرات وجيهة للردّ العسكري ويضع معايير صارمة بهذا الخصوص تتعلّق بمستوى مسؤولية الدولة المتَّهَمَة، وبمستوى الإثبات والبيّنات. ثُمّ يعرض لشروط مبدئية وعملية أخرى: جدوى الردّ العسكري وشروط فاعليته، ضرورة تنزيهه عن أن يكون حجة لتنفيذ سياسات ومآرب أخرى، تعيين مُسبَق لنوعه وحجمه وحدوده والتأكُّد من الإلتزام بذلك، النظر المسؤول في مضاعفاته المحتمَلة في أحسن الحالات النزيهة وفي حال سوء إستخدامه. ثُمّ يعرض التقرير للإعتبارات الأميركية الداخلية التي يتوجّب الأخذ بها في قرار الردّ العسكري: مدى محافظته على الحريات الأساسية في أميركا، وعلى وحدة المجتمع الأميركي، وعلى أمن المجتمع الأميركي المستقبلي وأنماط حياته. وتأتي، في الختام، الإعتبارات الخُلُقية: أن يكون الردّ عادلاً، وأن لا يذهب المدنيون ضحيته، وأن يكون عقوبة لا إنتقاماً.

هذا في ما يشترطه الخبراء والمسؤولون الذين يؤيّدون الردّ العسكري أو لا يمانعون فيه. وجميعهم متمسّكون بالشروط المبدئية والعملية والإعتبارات العليا، الأميركية والخارجية، التي سبق ذكرها. وفي التقرير خيارات أُخرى تعكس مواقف أُخرى سلبية من الردّ العسكري، وهي تتدرّج من الذين لا يؤيّدونه ويدعون لغيره من الخيارات العقابية إلى الذين يحذّرون منه ومن مضاعفاته، فيقاومونه.

أهمّية هذا التقرير أنّه يصدر عمّن هم في قلب السلطة الأميركية أو القريبون منها بحيث يكونون على بيّنة من مجريات الأمور على أعلى المستويات، حيث كانت تتوافر معطيات لا تتوافر للجمهور، وحيث كانت مجموعات نافذة تدفع في إتّجاه قرار فوري بعمل عسكري من دون النظر المسؤول سواء في البيّنات، أم في جدوى الردّ، أم في مضاعفاته المحتمَلة، أم في إعتباراته المبدئية والخُلُقية. لذلك لم يكن مجرَّد تقرير أو رأي عاديَّين، بل كان يمثِّل رؤية أُخرى مسؤولة في داخل السلطة وفي مركز صنع القرار الأميركي. لكنها كانت رؤية غير نافذة وغير معمول بها في الغالب، وقد إقتصر دورها، في الأوضاع الطبيعية، على أن يكون معدِّلاً لبعض السياسات المغالية في حدّتها وتطرّفها، أو أن يقدّم مقاربات شمولية تحدّ من تعسّفية وإختزالية النظرات الواحدية المحدودة. أمّا في الوضع الإستثنائي الجديد، فكانت حظوظ هذه الرؤية في النجاح أو في لعب دور ما، ضعيفة جدّاً. فالحالة العصبية الأميركية لم تكن مؤاتية حتى للإصغاء إلى التحفُّظات من الردّ العسكري، لا سيّما أنّ عقلية الإدارة الأميركية الجديدة وطبيعة الأشخاص على رأس الوزارات الأساسية كوزارتي الدفاع والخارجية، كانت لمصلحة النظرة العسكرية في التعامل مع مثل هذه القضية. فضلاً عن أنّ السياسات الأميركية الثابتة على تعاقب إداراتها، والقوى الأميركية المالية والصناعية التي كانت تدعمها، لم تكن تسمح بأيّ هامش كان للرؤية الأُخرى حتى في الحالات الطبيعية. فجاءت الحالة الطارئة والإستثنائية تقوّي قبضتها وتعزّز منطقها ومواقعها في مراكز القرار، وتعطيها فرصة ذهبية لإقصاء كلّ رؤية مخالفة لرؤيتها إقصاءً نهائياً. لذلك لم يُعطَ التقرير - المطالعة فرصته للمناقشة وإستُبعِد في شكل غير لائق، فطُوي في الأدراج، وحُسِم الموضوع بسُرعة غير مسبوق إليها لمصلحة الردّ العسكري، من دون تعيين حدود لهذا الردّ ومن دون تقييد الإدارة بمبادئ أو بتوجّهات عامّة لأُصول التعامل مع هذا الموضوع الخطير.

هكذا أُبرِم قرار الحرب في الدولة العظمى، دولة الأحادية منذ سقوط الإتِّحاد السوفييتي، تخوضها السلطات الأميركية في العالم بإسمها وبإسم العالم. سلطات بلا حدود، لإستخدام قوة بلا حدود، في حرب بلا حدود. نقول "أُبرِمَ" قرار الحرب، لأنه كان متَّخذاً من قبل. كان الرئيس في الساعات الأُولى وفي الخطاب الأوّل الذي وجّهه إلى الشعب الأميركي وإلى العالم بعد العملية، أعلن قرار الحرب "على الذين أعلنوها على أميركا". وتبلّغتْ أميركا وتبلّغ العالم هذا القرار من دون مساءلة أحد في دستوريته. فقرارات دخول الحروب هي حِكْرٌ على السلطات العليا جميعها، ولها أصولها وإجراءاتها الدستورية الخاصّة. أمّا الحرب بلا حدود فقد أُريد لها أن تكون، منذ ولادتها، بلا دستور. وأُريد لها، منذ ولادتها أيضاً، أن تكون حرباً على مجهول، يريدون تجهيله أكثر فأكثر حتى لا يرتضوا له تحديداً، هو الإرهاب. نعم. هكذا عنوان يتماهى بلا تحديد.

الحرب على الإرهاب هي العقيدة القديمة إيّاها للحرب الأميركية الجديدة. وهي ستصبح عقيدة العلاقة الأميركية بالعالم الخارجي، أي العقيدة المتقدّمة في النظام العالمي الجديد.

الشعب الأميركي طالب بالردّ على المعتدين، وألحّ في الطلب. لكنّه وقف عند حدود هذا الطلب. فتصاعدت فوراً الحملة الإعلامية على الإسلام والمسلمين والعرب. وتوسّعت شبكة الإتهامات ضدّهم مشفوعةً بصورهم الأرشيفية الجاهزة سلفاً والمختارة بعناية، وراحت تتلاحق على شاشات التلفزيون. ما يُنبىء بتعيين العدو. وما يعني أنّ المطالبة الشعبية بالردّ على "المعتدين" المجهولين تحوّلت، حالاً بإرادة خفيّة، إلى مواجهة مع "العدوّ" المعروف والمعيَّن سلفاً، وأنّ هذه المواجهة لا تكون إلاّ بالحرب الشاملة عليه. هكذا تأسّست المعادلة الحربية، السياسية والإعلامية والعسكرية، وهي تساوي بين المعتدين في عملية واحدة والعدوّ الإرهابي الذي يزيد عدده على مليار إنسان. ثم تساوي بين الردّ على عملية إرهابية والحرب الشاملة بلا حدود على "العدوّ". بعد أن حصلت السلطات الأميركية على ثقة الشعب الأميركي وعلى سلطات لامحدّدة ولا محدودة، تلاحقت خطوات تقدُّمها: في الأمم المتحدة، حصلت على قرار من مجلس الأمن إتُّخِذ بالإجماع، لا يسمح فقط لأميركا بحربها، بل يتبنّى هذه الحرب وعقيدتها، أي الحرب الشاملة على الإرهاب والإرهابيين؛ دعَت أميركا حلفاءها إلى الإصطفاف وراءها والتجنُّد لحربها، ففعلوا لا يتردّدون. ومنهم مَن سارَع إلى ذلك من قبل الدعوة؛ في الواقع الدولي: بدَتْ كل الإعتبارات الدولية، التي تحكم سياسات وعلاقات الدول الكبرى، متوقّفة أو معلّقة، وبدا العالم صاغراً بكل دوله، القوية والضعيفة، الغنية والفقيرة، أمام خروج أميركا إلى الحرب، وأمام عنوان الحرب على الإرهاب. حتى الدول المدرَجة على لائحة المروق، والمرشّحة للضرب، لم يسعها إلاّ أن تبدي إستعدادها للتعاون في الحرب على الإرهاب.

في هذا الوضع المثاليّ بالنسبة إلى السلطات الأميركية، وقد وجدتْ تبرير الدفاع عن النفس، وباتت طليقة اليد، وانفتحت أمامها جميع الطرقات، ذهبت أميركا إلى الحرب في العالم، فحبس العالم أنفاسه. وفي خلال أسابيع، كان الحضور الأميركي في العالم كلّه يفرض نفسه على حياة الكوكب وعلاقاته، وكانت الأساطيل الأميركية البحرية تسيطر على حركة البحار وتحكم ممرّاتها، والأساطيل الجوية الأميركية سيّدةَ الأجواء، و"الأساطيل" الإعلامية الأميركية (والإسرائيلية - الصهيونية) تصادر كل المشهد العالمي وصوته. وتحوّلت أنظار العالم كلّه إلى منطقة الشرق الأوسط، وإلى العالمَين العربي والإسلامي، فضلاً عن متابعة ما يجري على الساحة الأميركية من آثار الفاجعة وتفاعلاتها.

وتسارعت التطوّرات وتلاحقت الأحداث والعمليات العسكرية المحدودة في الشرق الأوسط، فيما كانت القوات العسكرية تتابع إنتشارها العامّ وتوغّلها في بعض المناطق ذات الأهمية الإقليمية والدولية، وفيما كانت وطأة الحضور الأميركي تتعاظم في العالم كلّه.

حجم العمليات، المحدودة الأهداف المباشرة والمعلنة، لم يكن يتناسب مع تحريك كل هذه القوى الجبارة: القوى الأميركية في حالة إستنفارها الأقصى، قوى الحلف الأطلسي وإستعراضاتها، والقوى الذاتية لعدد من حلفاء أميركا في جميع القارّات. ولم يكن ذلك يتناسب أيضاً مع ما كانت السلطات الأميركية تُعلنه أو تُلمِّح إليه عن حرب شاملة لن تقتصر على الجيوش ولن تتوقّف في المستقبل المنظور. من هنا أنّ الأحداث والعمليات، على أهميتها وفظاعاتها، صارت تبدو من المتغيّرات لا من الثوابت. من الشكل لا من الجوهر. صارت تبدو مقدّمات للمشروع الأميركي. ونشطت التحليلات الاستراتيجية لإستكشاف هذا المشروع الأميركي المحتمَل، فأكد معظمها أنه مشروع يتعدّى حدود الردّ على العملية ومكافحة الإرهاب، إلى تحقيق أهداف استراتيجية تخدم مصالح أميركا الحيوية وتعزّز موقعها، المتميّز أصلاً، في المعادلة الدولية. وذهب بعض المحلِّلين إلى توقّع تغيير ملحوظ في هذه المعادلة لمصلحة أميركا وهيمنتها، نظراً إلى واقع ميزان القوى وتفوّق القوة الأميركية المتزايد. وخلص معظم المحلّلين إلى أنّ قيادة القطب الواحد في العالم ستكون معقودة لأميركا لوقت طويل، مع وجود دول قوية كبيرة (روسيا والصين مثلاً) وكتلات ناشئة (أوروبا مثلاً) من شأنها أن تُبقي على بعض وجوه التعدّدية في مجالات معيّنة من المعادلة الدولية ومن ميزان القوى في العالم. ورأى هؤلاء المحلّلون أنّ الإنسانية ستتابع مسارها في ظلّ القطب العالمي الواحد، لوقت طويل أيضاً، إلى أن يتغيّر أو يتعدّل ميزان القوى الدولية.

أهمّ ما يستوقف في هذه التحليلات، تفاؤليتها بإمكان إستمرار هذا الوضع الجديد وإمكان إستمرار مسار الإنسانية في ظلّه إلى وقت طويل. فقد تكون هذه التحليلات صحيحة قياساً إلى ما كان في السابق منذ العصور البعيدة في تاريخ الدول والإمبراطوريات وواقع موازين القوى. وقد تكون صحيحة ومصيبة بالنسبة إلى ما يفكِّر فيه المسؤولون الأميركيون الحاليون لجهة إرساء الهيمنة الأميركية على قواعد قوية تضمن إستمرارها لأجَل بعيد. لكنّ الوضع الخطير الذي كان يتهيّأ من قَبْل الحدث الكبير في أميركا، والذي تصاعدت مؤشّرات خطورته بسرعة قياسية بعد ذلك، هو وضع يختلف كلّياً عن جميع السوابق التاريخية ويخرج عن نطاق الاستراتيجيات التقليدية، وهو يُدفع بقوة للوصول بسُرعة إلى كارثة عالمية قد تهدّد مصير الإنسانية جمعاء بما فيها القوة العظمى الأميركية - الإسرائيلية. فالتفاؤلية بقدرة الإنسانية على الإستمرار في ظلّ هذا الوضع هي تفاؤلية في غير محلها. وإذا إستمرّت، فهي ستنتهي إلى الكارثة. خصوصاً أنّ هذا الوضع القائم هو أوّل الغيث وهو مجرَّد مؤشّر للإتجاه الإنتحاريّ الذي يندفع فيه. ومع أنه في أوّل الطريق، إستطاع أن يغيّر، في خلال أسابيع، بعضاً من ملامح الوضع العالمي والإنساني. والوضع المعنيّ هنا هو وضع المجتمع والإنسان في كلّ بلد في العالم، ووضع العلاقات بين المجتمعات. هذه هي ثوابت الوضع العالمي الإنساني، وهي تأتي، في الأهمّية، قبل استراتيجيات الدول وعلاقاتها وموازين قواها. فقد حدث بالفعل، في خلال أسابيع، زلزال كبير في حياة المجتمعات. في نظرة المجتمعات إلى نفسها وإلى المجتمعات الأُخرى. في علاقة الإنسان بالإنسان. وفي العلاقات الإنسانية على مستوى الشعوب والقارّات والأديان. حدَثَ تصدُّع في بناء الحضارة الإنسانية الذي بنته الإنسانية جمعاء لبنةً لبنةً على مَرّ العصور. من كلّ قارّة وبلد، لبنة. ومن كلّ عصر، مدماك. بنتْه الإنسانية على مدى التاريخ وهنّأت نفسها عليه. وفي خلال أسابيع، تصدّعت جسورٌ إستغرق بناؤها مئات السنين. وفي خلال أسابيع، إرتدّت الإنسانية أشواطاً إلى الوراء في إتّجاه العودة إلى عصور الحروب الدينية وعالمها المسكون بالأضداد، والمحكوم بالتصادم. حدث هذا الزلزال بالفعل، الآن وهنا. الآن، في الأسابيع الأخيرة. وهنا، في كل مكان، لا في أميركا وحدها. هنا، في أميركا وأوروبا، كما في الشرق الأوسط. هنا، في آسيا الوسطى والشرق الأقصى، كما في إفريقيا. هنا، في كل قارّة وإقليم. في المجتمعات الغنية والمتقدّمة والقوية، كما في المجتمعات الفقيرة والمتخلّفة والضعيفة. تلتقي جميعها وتتسابق على طريق العودة إلى الحروب الدينية، قبل أن ترقد معاً في ركام الحضارة والتاريخ.

لم تتوقّف القوة العظمى الأميركية - الإسرائيلية عند خطورة هذه التحوّلات غير المسبوق إليها، ولم يبدُ أنها معنيّة بأبعادها الإنسانية والحضارية وبأخطارها الأمنية البعيدة والداهمة، بدءاً من أخطارها على المجتمعَين الأميركي والإسرائيلي. بل بدَتْ هذه القوة العظمى مرتاحةً إلى "نجاحها" في تحقيق هذه التحوّلات، واعتبرتها مقدّمة مشجّعة للمضيّ في مشروعها الحربي. ثُمّ إندفعت في تصعيد عملياتها الحربية وتوسيع حركتها، فيما كانت تكرّر إعلانها الصريح عن أنّ حربها طويلةً، وأنها لا تزال في أوّلها. وتساءل كثيرون كيف يمكن أي سلطة أميركية تتمتّع بالحدّ الأدنى من حسّ المسؤولية، أن تدّعي أنها لم تلاحظ هذه التحوّلات ( ولم ترَ بالطبع أبعادها وأخطارها)، وأنها لا تعرف ولا تتذكّر أنّ هذه التحوّلات السريعة إنما جاءت ثمرةً لتهيئة منهجية طويلة، بدأت منذ ربع قرن بلائحة الدول المارقة، وانتهت في التسعينات إلى حملة إعلامية ضارية تعيّن "مصدر الشرّ" (الإسلام والمسلمين والعرب)، وتبشِّر بِ"الصدام" الحتميّ معه. وهذا ما يدعو إلى الإعتقاد أنّ هذه التحوّلات الخطيرة هي الشيء المطلوب من جهة القوة العظمى الأميركية - الإسرائيلية.

وزاد في الريبة في سلوك القوة العظمى أنها إذ هي تصعِّد عملياتها الحربية وتُعلن أنّ اللائحة السوداء تضمّ عشرات الدول والأطراف التي سيأتي دورها فتنال نصيبها، كانت السلطات الأميركية تُعلِن عن أنها تتوقّع ضربات جديدة على المجتمع الأميركي بأسلحة الدمار الشامل تأتي ردّاً على العمليات الحربية. فبَدَت القوة العظمى كأنها تسعى لمزيد من الضربات على المجتمع الأميركي، تأتيه ممّن طاولتهم العمليات الحربية وممّن باتوا يتوقّعون أن تطاولهم عاجلاً أو آجلاً، بحسب الوعيد الصريح الموجَّه إليها.

إلتبَسَ هذا السلوك الأميركي على الكثيرين وأُغلِق عليهم فهمه، وهم يتابعون العمليات الحربية وتطوّر ردود الفعل عليها، ويرَون وجه العالم يتغيّر إلى الأسوأ بين يوم وآخر. وتساءل الناس، بحقّ، كيف لا تستطيع السلطات الأميركية والإسرائيلية أن ترى أنّ ممارستها كلّ هذا العنف والإذلال على الآخرين من شأنها أن تزيد في إحتمالات الردود العنفية عليها، بأقصى درجات العنف، وبما ملكت يد الآخرين. لا سيّما أنّ العملية التي ضربت أميركا أثبتت حجم المخاطر وفظاعتها، وأنّ خصوصية الأوضاع في كلٍّ من البلدَين، وفي إسرائيل بشكل خاص، لا تتحمّل هذه المغامرة القاتلة. فلماذا، إذاً، سياسات الإحراج بالعنف الأقصى والإذلال، حتى الإخراج؟ هل فقدَتْ السلطات الحدّ الأدنى من الحسّ بالمسؤولية عن أمن المجتمع ومصيره، وهي المؤتمَنة على هذه المسؤولية الأُولى؟

كان واضحاً أنّ سلطات القوة العظمى الأميركية - الإسرائيلية رهنت مصيرها للمشروع الحربي. صار المشروع قضيتها الأولى والأخيرة. وبدَتْ مستعدّة لأن تُخضِع كل المصالح والإعتبارات وتسَخِّر كل المقدَّرات لخدمته وتأمين نجاحه. فلم يكن غريباً أن لا تلوي هذه السلطات على المخاطر المتزايدة على مجتمعها، وعلى التحوّلات الخطيرة التي كانت تتسارع في العالم. بل إنّ السلطات الأميركية بدَتْ مستعدة أن تكيِّف المجتمع الأميركي مع متطلّبات المشروع الحربي وأن تجنّده لخدمته، مع ما يرتّبه ذلك من تزايد الأخطار الداخلية والخارجية. بدَتْ السلطات الأميركية كأنها تحوّلت من سلطات بلد إلى قيادة ميدانية لمشروع حربي متنقّل. وبدَتْ كأنها ألحقت ثوابت بلدها بمتغيّرات المشروع.

 [14]

كان مشروع مكافحة الإرهاب، الذي أعدّته إسرائيل في شرم الشيخ، دليلَ المشروع الحربي الجديد. واستيقظ الإرث الإمبراطوري التاريخي بكامل عدّته العنفية والمفهومية، وجاء يتكامل مع أضخم ترسانة حربية في التاريخ أمّنتها ثورة الوسائل للقوة العظمى. ثم جاءت تكنولوجيات السرعة تختصر قرون الحروب الماضية بالأسابيع. وثبَتَ أنّ الأسابيع الثلاثة الأُولى كانت مجرَّد مقدّمة. لكنها كانت مقدّمة لا كالمقدّمات. تساوت بمفاعيلها التدميرية والتحويلية مع أعتى الحروب السابقة. أيقظت العالم كله على الحرب وشغلته بها، وغيّرت مشهد الحياة والعلاقات.

أرادت القوة العظمى أن تبدأ حربها بجعلها حرب الجميع. وتوعّدت بأن تجعلها حرباً على الجميع إذا لم يلتزموا بشروطها. وعلى الإلتزام أن يأتي مسبَقاً وفورياً، بينما الشروط تأتي في اللاحق وتباعاً.

حرب الجميع والحرب على الجميع، بدأت بالعالمَين العربي والإسلامي ودولهما كافّةً. فكان على هذه الدول أن تلتحق بمعسكر "مكافحة الإرهاب"، فيما هي على لائحة الدول "المارقة" التي تطاولها المكافحة. فتكون محكومة بأن تُمسي وهي في معسكر الديّانين ثم أن تُصبح وهي في قفص الدينونة. مع العلم أنّ لائحة "المروق" توسّعت لتشمل جميع العرب والمسلمين تقريباً، من دون سواهم. وقد أتّسعتْ، إلى الدول، لجماعات ومؤسّسات وأفراد أُوْكل أمر إدانتهم إلى دولهم المُدانة.

كانت أميركا تقوم بالحرب على العالمَين العربي والإسلامي بالنيابة عن إسرائيل وبشراكتها في وقت واحد. فإذا قلنا إنّ القوة العظمى هي أميركية - إسرائيلية لا أميركية فقط، فنحن نقوم بالوصف الموضوعي لهذه القوة. لكنّ هذه القوة العظمى كانت تقوم، هنا، بالحرب الإسرائيلية لا بالحرب الأميركية على هذين العالمَين، لا سيّما على الدول والمجتمعات الواقعة في دائرة "إسرائيل الكبرى"، أي لبنان وسوريا والعراق وشرق الأردن وفلسطين، أو في جوار إسرائيل، مثل مصر والسودان والسعودية، ثُمّ دول الخليج الأُخرى واليمن. بل إنّ أميركا كانت تخوض حرب المصالح الإسرائيلية بفلسفة الحرب الإسرائيلية، على حساب مصالح أميركا وبالتناقض مع قِيَم حياتها.

كان أهمّ ما يُزعج إسرائيل في السعودية أنّ هذه الأخيرة كانت على علاقة متميّزة ومباشرة بأميركا من دون المرور بالواسطة الإسرائيلية. وأنها كانت تدير شؤون نفطها وعائدات نفطها بالمشاركة والتفاهم مع أميركا من دون المشاركة أو الوساطة الإسرائيلية. وأنها كانت الأقرب إلى أميركا من بين الدول العربية والإسلامية. وأنّ فيها مكة المكرّمة والمدينة المنوَّرة، وأنها قبلة العالم الإسلامي. فجاءت أميركا تخوض الحرب الإسرائيلية (لا الأميركية طبعاً) على السعودية، تهديداً وتشهيراً وإذلالاً، وإخلالاً بأمنها ومكانتها. صدِّق أو لا تصدِّق!!!

وكان أهمّ ما يُزعج إسرائيل في مصر أمور كثيرة، منها أنّ مصر هي كبرى الدول العربية، وحلقة الوصل الفاعلة بين طرفَي العالم العربي، وحجر الرحى في كل مشروع عربي مستقبلي. وهي الشريكة الأُولى، مع سوريه، في تأسيس الحضارة الإنسانية، وأكبر الشركاء في النِّيل العظيم الذي ترمقه إسرائيل كل يوم بطمعها. وهي ذات إمتيازات في العلاقة مع أميركا وفي مساعداتها. وهي، منذ البداية، دولة عربية مُحرِجة لإسرائيل في مشروع السلام في الشرق الأوسط. فجاءت أميركا تخوض الحرب الإسرائيلية على مصر متبنّية المقولات الإسرائيلية فيها والحملات التشويهية والتشهيرية بحقها، ردّاً على موقف مصر ودعوتها إلى وقف التصعيد العنفي الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، الذي هو مطلب أميركي أيضاً، في الظاهر على الأقلّ.

أمّا ما يُزعِج إسرائيل في الهلال السوري الخصيب، فكل شيء: كل نبضة حياة فيها تقول يومياً للعالم إنّ ثمة شعباً حياً في هذه البقعة من الأرض. من هنا جاءت فلسفة الحرب الإسرائيلية على هذه المنطقة حرباً على المجتمعات أكثر منها حرباً على الأنظمة والدول والجيوش . وهي تستهدف ضرب مقوّمات الحياة في هذه المجتمعات، وتقويض عناصر وحدتها وعوامل نهوضها. لذلك تشهد، الآن، هذه المنطقة حالتين نموذجيتين من حالات حرب الإبادة المنهجية، في فلسطين والعراق. في فلسطين تتولّى إسرائيل الحرب بنفسها، بالدعم الأميركي. فهي تحوّل الضفة الغربية إلى وضع غير قابل للحياة، أياً كانت صفة السلطة، الدستورية، التي تحكمه. أمّا في العراق، فتقوم أميركا بالحرب الإسرائيلية على المجتمع العراقي، بضرب مقوّمات حياته ووحدته وفرَص نهوضه. ومن المرجَّح أن تستمرّ الحرب الإسرائيلية على المجتمعات في كامل هذه المنطقة، ولو توقّفت كلّ الحروب في العالم. هذه الحرب أو الحروب على المجتمعات، بفلسفتها ونتائجها، تأتي غير مبرَّرة أميركياً ومدمِّرة للمصالح الأميركية. ومع ذلك نرى أميركا منساقة إليها ومصرّة عليها، سَواء بخوضها مباشرةً كما يحصل مع العراق، أم بمساعدة إسرائيل على تنفيذها كما يحصل في فلسطين.

من ناحية الاستراتيجيا الحضارية، أهمّ ما يُزعِج إسرائيل في الهلال السوري الخصيب ومصر، وجود المسيحيين بكثافة فيهما. فمقولة إسرائيل بصدام الحضارات تركّز على أنّ المتوسّط يفصل، ويجب أن يفصل، بين عالمَين: مسيحي، أو مسيحي - يهودي (غربي) وإسلامي (شرقي). ومقولة إسرائيل الثانية تقوم على أنّ المجتمعات العربية لا تتحمّل التعدّد الديني، أو حتى المذهبي، وتعمَل لل"الصفاء" الديني والمذهبي. ووجود الكثافة المسيحية في كلٍّ من مصر والمشرق العربي يُسفِّه المقولتين الإسرائيليتين ويُسقطهما. وصفو الحياة بين المسلمين والمسيحيين في هاتين المنطقتين يكدِّر مزاج إسرائيل. فجاءت أميركا تخوض على كلٍّ منهما حروب إسرائيل السياسية والإعلامية والثقافية، فضلاً عن العسكرية والأمنية. ولعلّ الحرب الإسرائيلية على هذا الوجود المسيحي ستستمرّ بأشكال مختلفة لأنّ موضوعها هو من ثوابت إستهدافات إسرائيل: يعزِّز منطق وجودها ويبرّر دورها "الحضاري" والاستراتيجي. لكننا لا نجد تفسيراً واحداً، من منطلق أميركي، يفيدنا عن المصلحة الأميركية في إفراغ وطن المسيحية الأوّل ومركز إشعاعها وأصالتها، من الوجود المسيحي.

الهلال السوري الخصيب ومصر والجزيرة العربية، مثَّلث التاريخ والحضارة والثقل العربي - الإسلامي، هو أيضاً مثَّلث ينصبّ عليه الحقد الإسرائيلي الذي تعود جذوره إلى أكثر من ألفَي سنة. عليه وعلى ذرّيته سقطت اللعنات، ككلّ لعنة إنكارية للـ"الآخر" على كل انفتاح، وككلّ لعنة عنصرية على المصاهر الإجتماعية الكبرى. والغريب أنّ أميركا، وهي المصهر الأكبر القائم بالصيرورة في عصرنا، وأوسع مخبَر للدمج الإجتماعي والثقافي، تتجنّد لتخوض حروب إسرائيل، دولة "الصفاء" الديني، على المجتمعات المصهرية القائمة حالياً، والتي كانت تجربتها الإندماجية رائدة ونموذجية في التاريخ.

ماذا يحصل في المجتمع الأميركي المصهري لو أنّ جميع فئاته ذات الأصول المختلفة قرّرت أن تتبع مبدأ الحياة الإسرائيلية، فأقامت "متَّحداتها" على قاعدة "الصفاء" الإسرائيلي؟ لذلك نقول إنّ الحرب الأميركية على هذا المثلّث العربي هي إسرائيلية العقيدة والمصالح، وضدّ منطق الحياة الأميركية والمصالح الأميركية.

الحرب الإسرائيلية على العالمَيْن العربي والإسلامي، جعلتها أميركا حرب الجميع (في العالم) على جميع العرب والمسلمين. لم تقتصر، طبعاً، على مَن ذكرناهم في "محيط" إسرائيل المباشر، بل هي شملت الجميع. تمّ اختزال الدول الإسلامية بالدول "المارقة"، والمسلمين بالمنظّمات "المتطرّفة"، والإسلام بدين الصدام مع "الآخر" والاعتداء عليه. ولا شكّ في أنّ مبدأ "صدام الحضارات" استكمل ورسّخ ، بالثقافة، ما روّجت له شبكات السياسة والإعلام. ووَضَع الدليل لقراءة أحداث العالم ونزاعاته في ضوء "إعتدائية" الإسلام. وأوحى بأنّ مستقبل أميركا الحربي ومستقبل الغرب عامّةً، هو مواجهة حكمية مع الإسلام والمسلمين بالأولية.

بدأت الأحكام تصدر. شهادات سوء السلوك هي القاعدة. أما حسن السلوك فهو الإستثناء، ولأغراض استهلاكية مرحلية (كالتصريحات التي كانت تصدر من رؤوس الشفاه لطمأنة السعودية مثلاً فيما كانت الحملات عليها والمضايقات المعيبة لأبنائها مستمرّة). الأسباب متنوّعة، والسوء واحد. أمّا المعيار فإسرائيلي دائماً. وتتابعت شهادات السوء لتطاول الجميع:

واحدٌ سبق إلى مشروع السلام، فأحرج إسرائيل. وآخر تخلّف عن مشروع السلام، فأغضب إسرائيل. كلاهما حلّت عقوبته.

واحدٌ مدى مدفعه قصير، فهان دمه. وآخر مدى مدفعه يصل إلى إسرائيل، فطُلب دمه.

واحدٌ ديمقراطي، يحترم حقوق الإنسان ولا يعنف على شعبه، فاعتُبِرَ مقصّراً في مكافحة الإرهاب أو متواطئاً معه، وحلّت عقوبته. وآخر يعنف على شعبه إلتزاماً بالشروط القسرية لمكافحة الإرهاب، فاعتُبِرَ لا ديمقراطياً ولا يحترم حقوق الإنسان في بلده، وحلّت عقوبته. واحدٌ ذنبه أنه مسلم يمتلك مفاعلاً نوويّاً، فحلّ الإيقاع به وضربه. وآخر يرشق الطائرات والدبّابات بالحجارة، فحلّ دفنه تحت حجارة بيته.

مشروع مكافحة الإرهاب صقلته إسرائيل في شرم الشيخ ولم تُفلِح في فرضه ألاّ جزئياً على الدول العربية آنذاك، فاستلّته أميركا على العرب والمسلمين معاً، لتضرب به دولهم بالحروب إذا لم تضرب هذه الدول شعوبها بالقمع. لا يقضي المشروع بأن يُضرَب كلّ بلد عربي وإسلامي بالقذائف والصواريخ. بل يقضي بأن يصبح كل بيت مقسوماً على نفسه، وكل دولة في تذابح مع شعبها. يقضي بنقل العنف إلى الساحة العربية-الإسلامية، ومنها إلى الساحة العالمية. يقضي بزعزعة استقرار المنطقة العربية-الإسلامية بتعزيز التطرُّف الإسلامي، وبزعزعة الإستقرار العالمي بدءاً من هذه المنطقة. مرةً أُخرى نقول إننا نستطيع أن نفسّر، لا أن نبرِّر هذا الإستهداف في ضوء منطق إسرائيل ومصالحها، أو ما يبدو لها أنه في مصلحتها. لكنّ مصلحة أميركا هي، حكماً، في استقرار المنطقة التي تجتمع فيها مصالحها الحيوية مع نفوذها المسلّم به.

مقدِّمات المشروع الجديد

كانت السلطات الأميركية تحاول أن توحي، في كل تصريحاتها ومسلكها، أنّ كل شيء هو تحت السيطرة. فالخطط موضوعة والخطوات مدروسة والأخطار محسوبة. كانت تراهن على قوتها ونفوذها لتغطية بعض خطواتها الناقصة والإنتكاسات. هنا، تزيد ضغوطها السياسية أو الإقتصادية على طرف دولي مشاكس، فينكفئ. وهناك، تصعِّد ضرباتها العسكرية في وجه عقبة طارئة، فتذلّلها. وهنالك، تُركِّز حركتها الدبلوماسية، بين الوعد والوعيد، على طرف متردّد أو محرَج، فيخرج من تردّده ويحسم أمره من باب التقية. فهي تدفع بقدراتها الهائلة إلى نقاط الضعف التي تتكشّف أو تطرأ، فتغطّي الثغرات والنواقص أو الأخطاء. والمبدأ الأساس، أن تؤكّد في شكل حاسم أنها مصمّمة على المضيّ في مشروعها الحربي حتى النهاية، وأنها واثقة بخطواتها لأنها تعرف ما تريد، وأنها قادرة على بلوغ ما تريده فلا تسمح بإنكفاء واحد يهزّ مصداقية قدرتها. من هنا أنّ خطابها السياسي حرص دائماً على أن يؤكِّد ويكرِّر هذا المبدأ بأقانيمه الثلاثة: التصميم، والثقة بما تريده، والنصر الأكيد.

أرادت أن يخدمها هذا الخطاب في جميع الجبهات: جبهات الدول الكبيرة، والحلفاء، والدول العربية والإسلامية، ثم الجبهة الداخلية الأميركية.

على جبهة الدول الكبيرة، روسيا والصين خصوصاً، كانت أميركا تهدف، بخطابها هذا، إلى أن تجعل هذه القوى تسلِّم إليها نهائياً بالسيادة الوحيدة والمطلَقة. وترجمة ذلك في التعامل الأميركي معها، أن تصِرّ أميركا على ما تريده وتمضي في تنفيذه، من دون التوقُّف عند الإعتبارات الدولية، ومن دون أن تُجهِد نفسها في وضع المخارج للأُمور المعقّدة، تاركةً للدول الكبيرة الأخرى عناء إيجاد المخارج التي تحفظ لها ماء الوجه، وعناء التكيُّف مع الأمر الواقع الجديد الذي تفرضه أميركا. ثُمّ تعتمد أميركا إشعار هذه الدول بأنها مدينة لها، وبأنّ عليها أن تساعدها وهي تتحمّل عبء المواجهة. لذلك نراها تُمطِر هذه الدول بالمطالب بدلاً من أن تسترضيها، مع الاستمرار في الضغط عليها بمعزوفة حقوق الإنسان والحرّيات لإبقائها في حالة الدفاع عن النفس. وفضلاً عن ذلك، هي تحاول أن تحصِّل مكاسب أُخرى من هذه الدول، كالتسليم إليها بحقها في زيادة تفوّقها العسكري ونقض الاتفاقات والمعاهدات السابقة.

على جبهة الحلفاء، كان خطابها يعني إصرارها على التفرُّد بملفّ التحقيقات، وباتّخاذ القرارات وتعيين الأهداف. وكان على الحلفاء أن يصطفّوا وراءها من دون مساءلة. ولم تكن في وارد استرضائهم بل تمنينهم بما تقوم به. فمشروعها الحربي على الإرهاب ليس فقط للردّ على العملية، بل هو أيضاً مشروع وقائي من عمليات مستقبلية قد تصيب أميركا وحلفاءها على السواء. فأميركا تخوض حربها وحرب حلفائها لحماية نفسها وحمايتهم. وبناءً على ذلك، عليهم أن يسلِّموا بقيادتها من دون مساءلة. فهي مصمِّمة، وهي وحدها تعرف ما تريد وما يجب أن يُعمَل، وانتصارها حتميّ.

أمّا الدول العربية والإسلامية، فعليها أن تبحث فقط عن سلامة رؤوسها وأن تنصاع للأوامر من دون قيد أو شرط أو مساءلة، على اعتبار أنّ أميركا مصمِّمة، وعارفة، وقادرة. والأوامر تقضي بأن تضرب هذه الدول جميع المقاومين فيها للاحتلال الإسرائيلي. كلّ مقاومة عنفية لهذا الاحتلال العنفيّ هي إرهاب. فلا مقاومة إلاّ بالأعلام البيضاء. حتى شهداء الإحتلال المدنيون، أطفالاً ونساءً وشيوخاً... حتى هؤلاء، عليهم أن يلاقوا وجه ربهم بالأعلام البيضاء أكفاناً لهم. وإلاّ لاقت الدول المعنية وجه ربها الأميركي- الإسرائيلي في ليلة ظلماء. لكنّ "جريمة" مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لا تقتصر على المقاومين بالعنف. فعلى الدول العربية والإسلامية أن تضرب كل مَن أُضيف اسمه إلى اللائحة السوداء، من مؤسّسات إقتصادية، وخيرية، ومن مسؤولين ومواطنين آخرين. وهذه الإضافات تصدر في ملحق يومي، سيستمرّ صدوره إلى أجَل طويل جداً، بحسب "التطمينات" الأميركية. وهي أحكام مبرَمة، على الجلاّد "المحلّي" أن ينفّذها فوراً بقطع الرؤوس، شرطاً لسلامة رأس الجلاّد.

أمّا الجبهة الداخلية الأميركية، فمن حقّها أن تطمئنّ من جديد، ومن واجبها أن تحتفل بخروج أميركا إلى الحرب وبإنتصاراتها المظفّرة التي تثبِّت سيادتها العالمية بالواقع وبالوقائع اليومية. ويأتي هذا منسجماً مع أحكام الخطاب الرسمي. فأميركا تتابع حياتها اليومية بإطمئنان، بينما العالم تضطرب حياته تحت الضربات والشروط الأميركية. وهذا يستدعي الإحتفال الأمـيركـي الشعبـي، وطـلب الـمزيد من الضربـات والشروط... والإنتصارات. وإذا كان الشعب الأميركي أصبح، بعد العملية، أشدَّ إهتماماً بالعالم الخارجي منه في السابق، فمهمّة الخطاب الرسمي أن يجعل الإنتصارات الأميركية الجارية تغطّي كامل المشهد العالمي وتحجب الصوَر الأُخرى. وهكذا إستطاع المشروع الحربي الأميركي وخطابه أن يحوِّل إهتمام الشعب الأميركي بشؤون العالم وشجون شعوبه، إلى الإهتمام بشؤون القوات الأميركية وإنتصاراتها، وبشجون الإرهابيين الذين تطاردهم هذه القوات. فلم يرَ الشعب الأميركي من العالم الخارجي إلاّ صورة الإرهاب والإرهابيين. فحقَّقت السلطات هدفين على الساحة الداخلية: فوّتت على الشعب الأميركي أن يكتشف صورته المشوَّهة في عين العالم، فنام على حرير، وقدَّمت له صورة العالم المشوّهة، المختزَلة بالإرهابيين، فغذّت عدائيته للعالم.

المشروع

هذا الفصل من تعامل القوة العظمى الأميركية - الإسرائيلية مع العالم الخارجي، من دول كبيرة وصغيرة، وحلفاء، ودول عربية وإسلامية، كان مجرَّد مقدِّمة لما تريده القوة العظمى من العالم، أو لما تريد العالمَ عليه، على الأصحّ. أما المشروع في ذاته، فلم يأتِ بعد. وتكتفي القوة العظمى، حتى الآن، بأن تزفّنا البشرى به، من دون أن تُفصِح عن مضمونه إلاّ بالرموز.

ما هو هذا المشروع، في جانبه المتعلّق بالبلدان العربية والإسلامية، وفي جانبه العالمي؟

في الجانب الأوّل ثَمَّة خريطة تريد أن تغيِّرها في حياة المجتمعات. وفي الجانب الثاني ثَمَّة علاقات دولية-عالمية تريد أن تختزلها. وفي كلا الجانبَيْن، نجد أنّ المشروع إسرائيلي بالمَولد والنشأة، أميركي بالتبنّي. فالقوة العظمى تعتمد فلسفة الحرب، الإسرائيلية، على المجتمعات العربية والإسلامية. وتعتمد، في الصعيد العالمي، النموذج الإسرائيلي، السابق، ل"الشرق الأوسط الجديد".

الحرب على المجتمعات تركّز على محيط إسرائيل، بدءاً بفلسطين والعراق (وربما لبنان). وترجمتها الآن، في فلسطين، هي مشروع جسمٍ مقطَّع الأوصال والشرايين، غير قابل للحياة. وفي العراق، هي مشروع "ردّ العراق إلى العصر الحجري" حسب قول بوش الأب. والمشروعان قيد التنفيذ. لكنّ ربّ العمل الإسرائيلي غير راضٍ عن بطء التنفيذ، ومتخوِّف من الطوارئ. فلا بدّ من عملية تسريعية تخلق واقعاً جديداً.

هذا الواقع الجديد قد يشمل، في ما يشمل، جوار إسرائيل الأوسع: الهلال الخصيب، والجزيرة العربية، وحوض النِّيْل. تأتي بعدها، في العالم الإسلامي، باكستان، ل"عِلّة" نووية، وربما الصومال، لسبب ثأري. أمّا شكل التغيير والواقع الجديد، فقد يختلف بين بلد وآخر. لكنّ المضمون أعلنته الصهيونية عام 1982 دليلاً لها في سياستها الخارجية الإقليمية، وسمّت الأشياء بأسمائها: خريطة جديدة لحياة المجتمعات تكفل تدميرها المنهجي أو وضعها في الثلاّجة. لكنّ طموحات المشروع في الثمانينات كانت أكبر من قدرات الدولة العظمى الإقليمية. كان عليها أن تنتظر قدرات الدولة العظمى الجديدة، وفرصتها. توسيع الحرب على الإرهاب، الآن، قد يأتي في سياق هذا المشروع التدميري للمجتمعات العربية أو لقدراتها، وتكون المضاعفات المحتمَلة لتوسيع الحرب فرصة أخرى لتصعيد الحرب.

أما في الصعيد العالمي، فالنموذج الإسرائيلي المصغَّر جاهز من زمان. أرادت إسرائيل أن تختزل الشرق الأوسط وعلاقاته بشبكتين: أمنية وإقتصادية. والنظام العالمي الجديد سيعمل على إختزال صورة العالم والأواصر الإنسانية والعلاقات الدولية والعالمية بشبكة أمنية بوليسية وبمنظمة التجارة العالمية. وتكون الشبكة والمنظَّمة أمضى سلاح إبتزازي تسلِّطه القوة العظمى على رقاب الدول والشعوب.

كل شيء بدا ميَسَّراً للقوة العظمى. الدول صاغرة، والشعوب مغلوبة على أمرها، والطريق مفتوحة للنظام العالمي الجديد كي يكون، بالفعل، نهايةَ التاريخ. أي أن يكون الصورة الأخيرة التي سيرسو عليها وضع العالم إلى أجَل غير مسَمّى، محروساً بالقوة العظمى ومضموناً بالزيادة المطّرِدة في فارق القوة بينها وبين الآخرين مجتمعين. بدا النظام العالمي الجديد ممتلكاً أسرار الخلود.

لكنّ هذا النظام قد يكون أقصرَ الأنظمة العالمية عمراً في التاريخ. بنى سلطته على فائض القوة، وقد تكون نزغته في إستخدام هذا الفائض إستنفاداً سريعاً لصبره على الآخرين وصبر الآخرين عليه. فهو، من عليائه، لا يتحمّل أن يُرَدَّ له طلب. وقد يغالي في مطالبه حتى لا يترك للآخرين خياراً إلاّ الرفض. والطريق التي إندفع فيها هي سلسلة مطالب لا يستطيع التخلّي عنها إلاّ إذا تخلّى عن طريقه، ولا يستطيع الآخرون تلبيتها إلاّ إذا أنكروا أنفسهم. فالمأزق قائم منذ الآن، والطريق المسدودة إلى نهايتها القريبة. لكنّ القوة العظمى لا ترى مأزقاً أو طريقاً مسدودة، بل نصراً مبيناً يحقِّق أحلاماً ونبوءات. من هنا كان واجب الإنسانية جمعاء، دولاً وشعوباً، أن تتجنّد لمنع الكارثة بمنع القوة العظمى من التقدّم نحوها والدفع إليها.

[1أُنظر: Falkenrath, p.16

[2بالنسبة إلى الاحتمالات الممكنة لعدد الضحايا والمصابين راجع: Falkenrath, pp. 16,152,154

[3أُنظر إلى: Stern, p.3

[4والطبية،بالنسبة إلى العلاج الطبي المبكر راجع الأرقام الواردة في : Falkenrath, p.155

[5بالنسبة إلى مفاعيل الضربة على الأصعدة المختلفة راجع قسم "النتائج المحتملة" في الملحق الرابع في الفصل الأول

[6Stern, p.2

[7Heymann, p. XI

[8أبرز هذه الأطراف الخارجية المتهمة بتشجيع أو رعاية الإرهاب والمدرجة من قبل الإدارة الأميركية على القائمة هي "الدول المارقة" ومعظمها من الدول العربية والإسلامية. راجع: Falkenrath, pp. 82,126 Stern, pp.49,110 Heymann, p.68 Hoffman, pp. 27,186-187,191

[9الأميركي،حول المنظمات والتيارات الداخلية المتطرفة في المجتمع الأميركي راجع: Stern, pp. 6-8,66,71-73,79-81,83-84,86 Falkenrath, pp. 187,194-199,208-209 Hoffman, pp. 105-120,165-166,200-202 Heymann, pp. XVII-XX

[10Heymann, pp. 68,72,75

[11Heymann, p. 71

[12Heymann, p. 76

[13أُنظر الملاحظة رقم (8)

[14الحرب الأميركية بالنيابة عن إسرائيل