الفصل الخامس

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2006

V المستقبل الصراع الحضاري لا "صدام الحضارات"

الأمن في المنظورَيْن المفهومي والتاريخي المنظور المفهومي

الأمن الفيزيائي، أي أمن البقاء الجسديّ، كان هاجس الإنسان الأوّل، والحافز الثقافيّ الأوّل في فجر التاريخ. [1] ونحن في ظهيرة التاريخ أو في "نهايته"، أي في قمّته أو خلاصته الأخيرة حسب بعض الإدْعاءات، [2] نرى الخطر على الأمن الفيزيائي للبشرية يعود، حقيقياً وداهماً، وقد أصبح هاجساً أوّل للإنسانية. لكنّ المسؤولية عن هذا الأمن، في زمننا الراهن، لا تبدو حافزاً ثقافياً وخُلُقياً أوّل ومسؤولية أُولى عند الذين يحكمون الإنسانية أو يتهيّأون للإستئثار بحكمها. بل إنّ جنون نوازعهم الإستئثارية قَلَبَ الأوّليات، على حساب الأمن، فتضاعفت الأخطار. كأنّ هؤلاء، في أخلاقيات الثقافة، على تَدَنٍّ وتراجُع عن مستوى نقطة الإنطلاق البدائية.

لكنّ أهمّية الأمن لا تقتصر على أوّليته الزمنية والمنطقية. إنها تتوقف على مفهومه. ومفهومه السائد، الآن، عند أصحاب القرار، هو الذي يقوم، في شكل كلي أو رئيسي، على القوة المادّية ووسائلها أو على إستخدام هذه القوة ووسائلها، بقطع النظر عن الخلفية الثقافية والإجتماعية الصانعة لهذه القوة والوسائل. ورموز هذا المفهوم، القوات المسلّحة وتوابعها التقليدية والمستحدَثَة، والترسانة الحربية. إنه مفهوم ضارب في عمق الثقافة وأنماط التفكير السياسي والعقلية الخُلُقية. وهو موروث وسائد عند غالبية المؤرّخين والباحثين والسياسيين، ولا مَن يسائله، مع أنّ نقصه وفساده ثابتان في التاريخ، وأخطاره تضاعفت في عصرنا. بهذا المفهوم التاريخي - الثقافي، المستمرّ والمتجدّد على أقوى في كل عصر، تماهى الأمن مع القوة المادّية ووسائلها وارتبطت صورته، عبر التاريخ، بصورة الجيوش والأسلحة. والتاريخ، في ذاته، كاد يُختَزَل بتاريخ الحروب والقوى السياسية والعسكرية (والدينية) المتصادمة. [3] وحين إلتفت المؤرخون الأوروبيون، متأخرين جداً، إلى تاريخ الشعوب وتاريخ الحضارة، ظلّ معظمهم يجد للحروب فضلاً أوّل على الحضارة في نشوئها وإنتشارها وإرتقائها. ومثالهم الأول على ذلك، مغامرة الإسكندر العسكرية والسلم الروماني الحربي، في التاريخ القديم. [4]

قياساً على هاتين الحالتين (الإسكندر وروما) ومشتقّاتهما اللاحقة في التاريخ، لا سيّما التاريخ الأوروبي، ارتسمت صورة إفتراضية لفجر التاريخ، ولنشوء المتّحدات المستقرّة الأُولى، ولإرتقاء الحضارة وإنتشارها وإستمرارها، يأتي أمن مسيرتها في السياق الحربي من دون سواه، وتقوم أنظمتها الأمنية على السلاح المادّي حصراً. ثُمّ تَعمَّمَ هذا "المبدأ" الأمني على قراءة التاريخ بمجمله، حتى تماهى الأمن، في المطلق، مع القوة المادّية ووسائلها وأنظمتها، وحتى أصبح السياق الحربي هو الأصل، وعلى هوامشه تأتي، أو لا تأتي، تفاعلات الشعوب والحضارة.

نحن نعتقد أنّ هذا المفهوم الأمني وقراءته للتاريخ، باطلان من جانبين. هما باطلان غير صحيحين من الجانب الوصفي. وهما باطلان وفاسدان وخطران من الجانب المعياري.

في الصعيد الوصفي: نحن نقول بأنّ سياق العلاقات لا سياق الحروب هو الأصيل في الأنظمة الأمنية الصالحة والمُجدية والتي حفظت أمن الإنسانية ومسارها. فيه عرفت المتّحدات البدائية الُأولى أمنَها، وفيه، وبفضله، استمرّت الحضارة وإرتقت وإنتشرت. بفضل العلاقات، العلاقات الإيجابية تحديداً، إكتسبت المتحدات المستقرّة الأُولى مِنعَتَها وأمّنت تفوُّقها. وبفضل العلاقات في الدرجة الأُولى، لا بفضل الحروب، إتّسعت الرقعة الأمنية، وانتشرت الحضارة، وترسّخت، وعمّ خيرها، وازداد الإيمان بها والإقبال عليها والإسهام فيها. بفضل العلاقات الإيجابية نشأ الوجدان الإجتماعي في داخل المجتمعات، والوجدان الإنساني العامّ بين المجتمعات، وهما أهمّ الإنجازات الأمنية التي تحققت في تاريخ البشرية، وأهمّ الضمانات الأمنية لإستمرار البشرية عينها. وحتى النزاعات والحروب، على تكاثرها وإرتفاع وتيرتها، نراها إنضوت، بحصيلتها الأخيرة، في سياق العلاقات. ولو حصل عكس ذلك، لربما كان بعض الشعوب إفترس بعضها الآخر، أو لكان إفترس نفسه، أو تجمّد في حالة الإجتماع الحيواني. وبلغة النزاعات والحروب، نحن نزعم أخيراً أنّ العلاقات أثبتت، عبر التاريخ، أنها السلاح الأجدى لأمن الشعوب وأمن الإنسانية.

في الصعيد المعياري: قدّم المفهوم الأمني الحربي، في الصعيد الوصفي، قراءة خاطئة لما كان في الماضي. لكنّ الخطر في الخطأ، هنا، نسبي ومحدود. أما الخطر المطلق والكلّي، فهو في الصعيد المعياري، أي في تقرير ما يجب أن يكون، في الحاضر والمستقبل، وربما في كل زمان ومكان، من تأكيد كلّي لفعل القوة المادية، يرافقه تدهور في العلاقات. يتجلّى هذا في المشهد الدولي الراهن حيث تتصاحب خمس ظواهر:

صعود غير مسبوق إليه في حجم الآلة الحربية ونوعها. فقد تكدّست، في عصرنا، أكبر وأفظع ترسانة حربية عرفها التاريخ، تكفي لتدمير الحياة، وكوكبنا، وعدّة كواكب في حجمه.

هبوط موازٍ في نوعية العلاقات. فعصرنا يشهد إستقطابية غير مسبوق إليها ذات طبيعة إستفزازية في داخل المجتمعات وفي ما بينها أو في ما بين كتلاتها.

صعود متسارع لأخطار التصادم بحكم الحالة الإستفزازية ومع انتشار الأسلحة الجديدة ذات الدمار الشامل والتزايد المطّرد لإحتمالات إستخدامها.

إصرار على زيادة الترسانة الحربية كخيار وحيد أمام تدهور العلاقات وصعود الأخطار.

إستبعاد القيام بأي مراجعة للمفهوم الأمني الحربي، مع إغفال متزايد للعلاقات بصفتها عاملاً أمنياً، بدليل عدم التوقف بتاتاً عند ظاهرة تدهور العلاقات الدولية والعالمية وتفاقمها.

هذا المشهد العالمي معبّر جداً، ووقائعه ساطعة. لكنْ يبدو أنّ طغيان المفهوم الأمني الإمبراطوري قد عطّل الرؤية، أو أنّ الشأن الأمني المصيري يأتي في المرتبة الأخيرة في سلّم الأوليات عند القوى التي تحكم عالمنا المعاصر.

قلنا، في الفصلين السابقين، إنّ أمن الإنسانية الفيزيائي هو في خطر شديد وداهم. فقد يكفي أن ينقطع وتر واحد كي تنقطع الأوتار الأخرى المشدودة إلى الحدّ الأقصى بسبب الضغط الهائل الذي يولّده النظام العالمي الجديد والضغط المًضاعف الذي تولّده عقيدة الحرب على الإرهاب. والأدهى، أن القوة العظمى تلجأ إلى ممارسة العنف الأقصى بما تملكه من وسائل هائلة، في ضوء مفهومها الأمني الحربي. وهذا قد يؤدّي إلى دخول العالم بأسره في دوّامة من العنف قد يصعب الخروج منها. من هنا جاءت أهمّية البحث في المفاهيم الأمنية التي قد يتوقّف عليها مصير البشرية في عصرنا.

الأمن في الواقع التاريخي

نقطة الإنطلاق الحاسمة في أمن الإنسانية الأًولى وتسريع ارتقائها، كان الإستقرار الأولالإستقرار الأول [5] وأنماط العلاقات الجديدة الناشئة عنه. عندذاك صار المتّحد الجديد المستقرّ(القرى الأُولى)، وتنظيمه، وعلاقاته، وخُلُقيته الجديدة، نظاماً أمنياً بل النظام الأمنيّ الأساس، المتطوّر والصاعد. وصار السلاح الحجري [6] وسيلة من وسائل هذا النظام. [7]

كانت الخريطة الأُولى لهذا النظام بقعةً مستقرّة تعيش على إستقرار في علاقاتها الداخلية، في وَسَط متحرِّك وعلى تقلُّب في علاقاته الهائمة. ثُمّ حدثت خطوة أُخرى حاسمة لا تقلّ أهمية عن ظاهرة الإستقرار نفسه، هي ظاهرة العلاقات المتمدّدة والمتطوّرة. فمع تعدُّد بقع الإستقرار، نشأت بينها علاقات، فانتقلت هذه العلاقات، بذلك، من البسيط الداخلي إلى المركَّب المنفتح على "الخارج" في الجوار المباشَر، ومعها إتّسعت الخريطة الأمنية وتغيّرت ملامحها، فانتقلت من خريطة البقع المنعزلة إلى خريطة من البقع والخطوط، خطوط العلاقات بين القرى الناشئة. ولم تقتصر أهمّية هذه الخطوة على التوسُّع والتغيُّر في المواصفات الأوّلية. فقد أحدثت نقلة كبيرة، بفضل خطوط العلاقات وشبكتها، في نوعية الأمن ودوره التاريخي والحضاري، إذ أنها أضافت إلى أمن المتّحدات أمنَ التجربة التاريخية في ذاتها وأمنَ إستمراريتها وإرتقائها (الأمن الحضاري). فلم تعد التجربة الصاعدة موقوفةً على موقع معيّن، حتى إذا اندثر هذا الموقع لسبب ما، إندثرت معه التجربة بكلّيتها وعادت الأُمور إلى الصفر. لقد تحصّنت التجربة، بفضل العلاقات، في كامل الخريطة الأمنية الجديدة ومواقعها المتعدّدة المتفاعلة والمشعّة على محيطها، فتوفَّر للمواقع الناشئة اللاحقة أن تبدأ من حيث انتهت إليه المواقع السابقة في التجربة التاريخية الصاعدة. [8]

نكتفي بهذا القدر من موضوع النيوليتي. فنحن لا نقوم ببحث تاريخي. إنّما قصْدُنا الوَصْل بين طرفَي المسيرة في موضوع يتعلّق بمصير هذه المسيرة. فهذا الموضوع، حقل بحثنا هنا، هو الأمن، بدءاً من الأمن الفيزيائي للإنسانية جمعاء.

مقاربتنا، هنا، إستقرائية اعتمدنا فيها أبعد محطّة بدائية في تاريخ متّحداتنا لنستكشف ونَصِفَ نوعية "ثورتها الأمنية" [9] التي انسحبت مقوّماتها، في رأينا، على حِقَب التاريخ اللاّحقة وألّفت المنظومة الأمنية التي حَمَت المسيرة الإنسانية في انتشارها وإرتقائها.

وتأويلنا هو أنّ العلاقات الإنسانية، لا سواها، هي النظام الأمنيّ الأوّل، والأفعل، والأمثل، وأنّ الأسلحة المادّية، سَواءٌ كانت حجرية أو نووية، إنما هي وسائل تنضوي في النظام الأمنيّ الأمّ وتكتسب منه معناها وجدواها.

وإستنتاجنا المعياريّ، هنا، هو أنّ من الضروري أن تنضوي هذه الأسلحة، دائماً، في النظام الأمنيّ، لا أن تكوِّن، في ذاتها، نظاماً أمنياً قائماً في ذاته. ووجه الضرورة في ذلك ليس معيارياً فقط، لإعتبارات خُلُقية إنسانية حضارية، بل عملياً واقعياً أيضاً، لإعتبارات وظيفية نفعية تتعلّق بفاعلية السلاح وبجدواه الأخيرة.

قلنا إنّ العلاقات هي النظام الأمنيّ الأوّل والأفعل والأمثل. لكنّ مصطلح العلاقات هو إسم جنس، يشمل السلبيّ والإيجابيّ، الحربيّ والسلميّ على السواء. وهو وعاء يحتمل محتويات مختلفة ومتناقضة. هذا يقضي بأن نميّز بين نوع العلاقات الصالحة لإنتاج الأمن والنوع الذي يهدّده. ثمّة علاقات تحريرية وعلاقات إستعبادية. علاقات طوعية وعلاقات قسرية. علاقات إخصاب وإغناء، وعلاقات إستنزاف وإفقار. تمثّلت جميعها في التاريخ بقطبَيْ تناقضاتها وبما بين القطبين من حالات وسيطة. لكنّ تميُّز العلاقات وتمايزها يحتملان الإلتباس، نظراً لجاذبية عنوان العلاقات. فكثيراّ ما التبست الأمور على الأطراف المعنية نفسها وعلى المؤرِّخين. فذهب بعض الأطراف ضحية قصوره في التمييز. وصدرت أحكام تاريخية مغلوط فيها، ظلمت طرفاً وأعطت طرفاً آخر مجداً لا يستحقّه. من هنا أنّ موضوع العلاقات هو من أخطر الأمور، الماضية والراهنة، التي يقتضي التدقيق فيها للتمييز بين ما هو إيجابيّ بنّاء منها يُنتج أمناً، وما هو سلبيّ هدّام لكل أمن وإستقرار.

النظام الأمنيّ الصالح هو الذي يقوم على العلاقات الإيجابية البنّاءة. "الآخر" فيه شريك لا عدوّ. محتواه التضامن والتكامل، ومنحاه الإنفتاح. هذا النظام لم يكن فقط في أساس نشوء العمران وتطوّره من القروي البدائي الأول إلى المديني المتقدّم، بل كان أيضاً الحامي الأول لإنتشار الحضارة وإرتقائها.

إختباره العالمي الأول والأهمّ، كان في نشوء العالم القديم (في الألف الثالث ق.م.)، أي في نشوء التواصل الأول بين الشعوب، بعد أن كان الإنقطاع سائداً؛ ثُمّ في تطوُّر هذا التواصل إلى نمط جديد إيجابي من العلاقات بعد أن كان التصادم هو القاعدة؛ ثُمّ في نشوء وتيرة من العلاقات الإيجابية المنتظمة أو شبه المنتظمة بين الشعوب والأقوام، من الأطلسي إلى الشرق الأقصى، تخترق القارّات الثلاث بخطوط التواصل وقوافلها، وتجمع بينها بمحمولات القوافل ولغتها التآلفية الجديدة، أخذاً وعطاءً، ذهاباً وإقامةً وإياباً، تفاعلاً وتكاملاً ومصالح مشتركة ناشئة. حتى صار المجهول مكشوفاً، والغريب أليفا،ً و"الآخر" شريكاً. فكان العالم القديم.

فضل العالم القديم وفضيلته الأهمّ، أنه كان الصيغة الأولى للعلاقات العالمية الإيجابية في التاريخ: كان الصيغة المؤسِّسة؛ وأنه كوّن دورة تاريخية كاملة على مدى القارّات الثلاث دامت، بفضل مزاياها الأمنية في شكل خاصّ، ما يزيد على ألفي سنة. بينما الإمبراطوريات، في دورتها اللاحقة، لم يُعمِّر واحدة منها أكثرَ من بضع مئات من السنين: فكان الصيغة الأشدّ أماناً ومِنعَََةً؛ وأنه قدّم صيغةً - نموذجاً للعلاقات العالمية خدمت عصرها، وخدمت العصور اللاحقة، وهي ما زالت تكتَنِه ما نستطيع اليوم أن نستنطقه ونستوحيه في خياراتنا المستقبلية. فاستحقّ العالم القديم، بذلك، أن يكون الكلاسيكية الأُولى في التاريخ، سبقت الكلاسيكية اليونانية - الرومانية بألفَي سنة، ومثّلت خياراً آخر في النظر إلى "الآخر" وفي العلاقات العالمية.

من حقنا وواجبنا، هنا، أن نسأل كيف تمكّن النظام الأمني في العالم القديم أن يؤدّي، بوسائله المحدودة آنذاك، هذه المهمّات الكبيرة؟ مَن حمى وما حمى، في شكل رئيس، عملية التأسيس للعالم القديم؟ مَن كان يحمي وما كان يحمي القوافل في أسفارها الطويلة والبعيدة؟ ما هي المقوّمات الأمنية الأساس التي مكّنت المجتمعات الرائدة من الإنفتاح على العالم بأسره، وشجّعت تلك الحركة العالمية السبّاقة في النقل والإنتقال والتعامل، وحفظت سلامتها، وعزّزت توغّلها ونموّها وإرتقاءها؟ كيف استطاعت هذه الدورة التاريخية، بالرغم من الصعوبات التأسيسية، أن تَثبُت في وجه الأخطار وأن تدوم أكثرَ من ألفَي سنة، بينما أهمّ الإمبراطوريات اللاّحقة لم يَدُم أكثر من بضعة قرون؟

الجواب المنطقي والحقيقيّ عن هذه الأسئلة ليس في الآلة الحربية. فالجيوش الجرّارة لم تتوافر لروّاد العالم القديم كما توافّرت، لاحقاً وفي شكل غير مسبوق، للإمبراطوريات، لا سيما كبراها. [10] حتى لو توافّرت تلك الجيوش آنذاك، لم تكن كافية لتغطية البقاع الشاسعة ولمرافقة كلّ قافلة في قطع المسافات الطويلة في رحلاتها البعيدة التي كانت تدوم شهوراً. والعناصر الأمنية المسلّحة التي كانت تواكب القوافل والمسافرين لم تكن كافية لردّ هجمات كبيرة عليها من جهة الأقوام التي كانت تلتقيها في طريقها أو كانت تنزل عندها أو في جوارها، لو أنّ هذه الأقوام كانت تًناصِب القوافل العداء أو تتوجّس شرّاً بها كما كل توجُّسٍ تقليديٍّ بالغريب القادم من البعيد.

إذاً، لا الجيوش الجرّارة كانت متوافّرة، ولا العناصر الأمنية المواكبة كانت كافية لأمن الطريق ولسلامة حركة النقل والإنتقال في تلك المساحات الشاسعة والمسافات البعيدة. لكنّ الطريق تأمّنت، بدليل استمرارها وتوسُّع شبكتها. وحركة النقل والإنتقال سلمت، في الغالب، بدليل نموّها وتكثّفها. فأثبتت نوعية العلاقات جدواها، بدليل إنتاجها لغةً مشتركةً جامعة للقارّات الثلاث في صيغة العالم القديم. والنظام الأمنيّ، القائم على نوعية العلاقات هذه، أثبت فاعليته وعناصر منعته، بدليل إستمراره وتقدّمه على امتداد ألفَي سنة على الأقلّ (من مطلع الألف الثالث ق.م. حتى منتصف الألف الأول ق.م). في حين نرى الإمبراطورية الرومانية تنشأ بعد ثلاثة آلاف سنة من نشوء العالم القديم، وتمتلك أعظم آلة حربية في التاريخين القديم والوسيط، ثُمّ تقيم نظاماً أمنياً على هذه الآلة الحربية الجبارة، ثُمّ تأتي النتائج الأخيرة مخيِّبة وتسجّل تراجعاً نوعياً عن السابق. وينتج عن ذلك مشهدٌ ووضعٌ عالميان متراجعان، ومصيرٌ مأسوي للإمبراطورية.

المشهد العالمي الجديد، في ظلّ الإمبراطورية، تمثَّل بالفرقة بعد الإجتماع، وبالتمزّق بعد التواصل والإلتحام، إذ أنّ الإمبراطورية إقتطعت جُزءاً من العالم القديم وقطعته عن الأجزاء الأخرى. فحدود الإمبراطورية تقرّرت في حدود طاقة آلتها الحربية التي كانت المقوّم الوحيد أو شبه الوحيد لنظامها الأمني.

والوضع العالمي تغيّر، إلى تراجع، مع التغيّر في نوع العلاقات. إذ عمدت الآلة الحربية إلى القمع في نطاق الإمبراطورية وإلى التصادم مع العالم "الخارجي"، أي مع الأجزاء الأُخرى من العالم القديم التي كانت حياتها، في السابق، على ارتباط وثيق بحياة المتوسِّط. أمّا المصير المأسوي الذي لاقته الإمبراطورية في ظلّ نظامها الأمني، فيتلخّص بمسيرتها الدموية وبعمرها القصير جداً بالنسبة إلى العالم القديم: بضعة قرون من الحروب الدائمة والإنهيارات، إنتهت إلى السقوط العظيم.

دورة العالم القديم ودورة الإمبراطوريات، اللاّحقة، مثّلتا قطبَيْن متناقضين لنوعية العلاقات، أدّيا إلى نتائج نقيضة في حياة الشعوب، وفي الحضارة، وفي النظام الأمنيّ وفاعليته. نوع العلاقات، السائد، في العالم القديم حفّز، في الغالب، كلاًّ من الشعوب الناشئة، على مدى العالم كله آنذاك، أن يبلور مزاياه وخصائصه ويعبّر عنها، وأن يُنتج ويُقدِّم أفضل ما فيه وعنده، كما أتاح له أن يُسهم في الحضارة الإنسانية إسهاماً فريداً أغنى هذه الحضارة بتنوّع العطاءات. وهذه الحالة الحضارية إيّاها كوّنت نظاماً أمنياً. فحَمَت الحضارة مسار الحضارة. إذ شعر كل طرف أنه معنيّ بأمن الطريق وأمن "الآخر" وأمن المصالح المشتركة الناشئة. حصل تبدُّل عميق في مفهوم "الآخر"، والموقف منه، والتعامل معه. وحصلت قناعة بخير الحضارة، خيرها للجميع، فكَثُرَ حُماتها. ولا عجب في أنّ نظام العبادة الشمسية، في الدِّيْن، واكب هذا النظام العالمي، في الحضارة والأمن، وعزّز رسوخه وانتشاره. فشعر كل إنسان لامسه التواصل، في القارّات الثلاث، أنّ الحضارة، كما الشمس، تُشرِق على الجميع وتُشرق عليه شخصياً. فتداخلت حماية الحضارة والعبادة.

أمّا نوع العلاقات، السائد، في دورة الإمبراطوريات اللاّحقة، فذهب، غالباً، في الإتّجاه المعاكس: قَمَع الحوافز، وإحتقر المزايا والخصائص، وعَمَل على تعقيم الفرادة في إسهامات الشعوب، إنطلاقاً من أنّ الإمبراطورية تحتكر وتختصر الحضارة، كل الحضارة، وأنّ "الآخرين" هم مجرّد برابرة. [11] فإنفَرَطَ الشمل، وإنفكّت الشعوب من إلتزامها، إذ شعرت الأطراف المقهورة أنها ليست معنيّة بأمن الطريق، وفي الطريق آلة حربية متوجّهة إليها؛ أو بأمن "الآخر"، و"الآخر" لم يعد شريكاً بل عدوّاً؛ أو بأمن المصالح، والمصالح لم تعد مُشترَكة بل واحدية الجانب وعلى حساب الطرف الضحية. حصلت ردّة في مفهوم "الآخر" إلى مبدأ الغالب والمغلوب. والشعوب مغلوبة. ولا عَجَبَ في أنّ هذا الإفتراق في المصائر رافقه إفتراق في الدين، بين إله شمسي يُشرق على الجميع، وبين إله النصر، الروماني، يتقدّم على رؤوس الرماح. صار التصدّي لعبّاد "النصر" من فروض العبادة.

المفاهيم الأمنية تَصدُر عن ثقافة. ثقافة الإنفتاح والعلاقات كانت سائدة في العالم القديم ودورته التاريخية. وثقافة الإنغلاق والتصادم كانت سائدة في دورة الإمبراطوريات، التاريخية. لكنّ هذا لا يعني أنّ الثقافة الثانية كانت غائبة عن الدورة الأولى، وأنّ الثقافة الأولى كانت غائبة عن الدورة الثانية. فهاتان الثقافتان كانتا دائماً قائمتَين في كل مجتمع وفي كل عصر، على غلبة لإحداهما على الأخرى في مجتمعات معيّنة وفي عصور معيّنة.

لم تكن دورة العالم القديم إنفتاحاً وعلاقات إيجابية خالصة. فقد تخلّلتها الحروب وجميع أنواع العنف في ما بين الشعوب وفي داخل كل بلد، سواء ما كان بين الدول وشعوبها، أم ما كان في داخل المجتمعات بين فئاتها المتناحرة. لكنّ ثقافة الإنفتاح والعلاقات كانت غالبة. جاءت النزاعات والحروب في سِياق تأسيس شبكة العلاقات وحمايتها. كانت مؤسّسة الطريق رمزاً لهذا التواصل الجديد. تراجَعَ بفضلها "الآخر" العدوّ لمصلحة "الآخر" الشريك. المعارف، والفنون، والمعتقدات، والشرائع، والآداب، وشتى منتجات الحضارة، كانت من محمولات مؤسّسة الطريق. وعلى جانبَيْ الطريق وفي محطّاتها الرئيسية، نشأت المدن نشوءاً طبيعياً تحلّقَ عمرانها حول المحطات التجارية، أو أُنشئت المدن الجديدة بفضل نوع من نظام التَوأَمة لإستيعاب حركة التواصل، والتمدّد العمراني، والتلاقي الحضاري، أي بفضل ظواهر وتعبيرات اللّغة والمصالح المشترَكة في العالم الناشئ. هذه الحركة الإنفتاحية والتفاعلية المتوسّعة بحكم العلاقات الإيجابية الناشئة سِواء بالصلة المباشرة أم بالتواتر، كانت هي السِياق الغالب الذي لم تستطع الحروب والنزاعات وشتَّى ممارسات العُنف والإعتداءات أن تعطّله. ومن جهة ثانية، لم تكن دورة الإمبراطوريات عنفاً خالصاً غابت معه الثقافة الأخرى كلّياً. فهذه الأخيرة كانت حيّة وناشطة حتى في أقوى مراحل المدّ الإمبراطوري وتعسُّفه. وكانت هذه الثقافة الإنسانية تَتَحصّن بمواقع قوية في المجتمع الإمبراطوري، وتتجلّى تعبيراتها وحيويتها في الحياة العامّة وفي الفكر والأدب والفنون والدين وفي بعض مؤسّسات المجتمع وأوساط الدولة وسلطاتها. ولكنها كانت ثقافة مغلوبَة على أمرها أمام جموح القوة في الدولة وأمام المفاهيم والقِيَم النقيضة السائدة في المجتمع، مفاهيم "الآخر" العَدوّ، ومفاهيم النّظام الأمني المؤسَّس على مبدأ القوة المادّية وبطشها، ومفاهيم "العالمية" التي تقرّرها حركة الجيوش وحدها وترسم حدود عالمها قدرة الجيوش، فيقتصر عالمها على ميدان الحركة العسكرية، وتخضع علاقاتها لمنطق الغالب والمغلوب وتُختزَل به. وتتحوّل مؤسّسة الطريق [12] من رمز تواصلٍ وتفاعلٍ ومن مصدر إطمئنان، إلى رمز إعتدائية ومصدر خطر بعد أن إستأثرت بها الآلة الحربية.

نقول هذا لنؤكّد من جديد أنّ أياًّ كان من الثقافتين لم تكن حكراً على تجربة تاريخية محدّدة أو على شعب معيّن. فقد وُجِدَتا دائماً في كل مجتمع، لأنهما تعبّران عن نَزعَتَيْن قائمتين أبداً، على تناقضهما، في كلّ متّحد إنساني وفي صلب المسيرة الإنسانية. في المجتمع الواحد، تتقدّم إحداهما على الأُخرى في عصر، وتتراجع، لمصلحة الأُخرى، في عصر آخر.

ما قَصدْنا، بهذا العرض السريع، أن نبحث في الحقب التاريخية بل في الخيارات الأمنية الممكنة، وفي الخلفية الثقافية التي تصدر عنها هذه الخيارات. فعرَضْنا لما كان، كي نؤكّد ما يمكن أن يكون. وغَرَضُنا الأوّل، أن نردّ على قراءات أحادية لتاريخية الموضوع الأمني، إستندت، هي، إلى قراءات إختزالية للتاريخ بدأته بالدورة الإمبراطورية وحصرته بإرثها، ثُمّ زعمت أنّ هذا هو التاريخ وأنّ هذا هو الخيار الوحيد الذي كان، والذي يمكن أن يكون. [13] أمّا غرضنا الثاني، والأهمّ، فهو أن نكشف فساد المفهوم الأمني الإمبراطوري وفساد الخلفية الثقافية التي يصدر عنها هذا المفهوم.

فَساد المفهوم هو في فظاعاته ومآسيه وفي هَشاشة نوعيّة أمنه.

أمّا الخلفية الثقافية التي يصدر عنها هذا المفهوم فإعتدائية بطبيعتها، من حيث هي تُنكِر "الآخر". وإنكارها إيّاه هو على درجات. قد تُنكِر عليه إنسانيته وحقّه بالحياة، فتُلغيه. أو تُنكِر عليه حقّه بالحرية، فتستعبده. أو تُنكِر عليه حقّه بالحياة الجيّدة، فتستغلّه حتى الإستنزاف. لكنها، في جميع الحالات، تُنكِر عليه كلّ فضيلة.

واضحٌ أنّ منطق هذه الثقافة يقود إلى قسمة العالم بين الأخيار والأشرار. شعوب و"حضارات" خيِّرة، وأُخرى شرّيرة. صحيح أنّ هذه الثقافة قائمة في جميع الشعوب والأديان والمذاهب والجماعات بنِسَب متفاوتة. لكنّ شرّ القوة الإمبراطورية أنها تمارسها بالحدّ الأقصى، وتعزّزها عند الذين تمارسها عليهم بما تَستَنفِر فيهم من غرائز. شرّها أنها تبسط هذه الثقافة عندها وعند الآخرين.

القوة العظمى في القرن الحادي والعشرين تمثِّل هذا الإرث الثقافي في رؤيتها إلى العالم، ومشروعها العالمي، وممارساتها. النظام العالمي الجديد عبّر عن هذا الإرث بكل وجوهه العنفية، السياسية والعسكرية والمالية، ثُمّ الصدامية "الحضارية". فخلق عالماً متفجِّراً جاء صعود الإرهاب في سياقه. وإكتشفت القوة العظمى صعود الإرهاب وعنفه الجديد. لكنّها لم ترَ الرابط السببي بين عنفها وعنفه، أو هي لم تعترف بذلك. وإستنفرت وحشدت مخطّطيها الاستراتيجيين من سياسيين وأخصّائيين، فانكبّوا على الموضوع بكل عقولهم وجوارحهم، ودبّجوا مئات الكتب وآلاف الدراسات والتقارير، ثُمّ إنتهوا إلى خلاصة الخلاصات، ومفادها أنّ القوة العظمى لا تمارس عنفاً كافياً، وأنّ مزيداً من العنف من جهتها كفيل بإجتثاث العنف من عند الآخرين. فلجأت إلى مشروع مكافحة الإرهاب، صعّدتْ به عنفها بالقدْر والسرعة المطلوبَين في التوصيات. لكنّ العملية الإرهابية سبقتهم، وكان ما كان. وخرجت القوة العظمى إلى الحرب على الإرهاب. لم تخرج بالعنف الأقصى فقط، الذي يمكن تفسيره إن لم يمكن تبريره. بل خرجت بكامل الإرث الثقافي الإمبراطوري.

زعمت القوة العظمى أنها تخوض حرباً عالمية على الإرهاب لحفظ الأمن الإنساني. حرب إنسانية بين قوى الخير وقوى الشرّ. وحرب حضارية بين قوى التمدُّن وقوى التوحُّش. وبين معسكرين: معسكر الخير والتمدُّن تقوده أميركا بحلفها العالمي الحربي على الإرهاب، ومعسكر الشرّ والتوحُّش المتجسِّد في الإرهاب، العربي والإسلامي خصوصاً، متمثِّلاً بالإرهابيين وبالدول التي تساندهم أو تأويهم أو تتساهل معهم، وبالأطراف التي تساندهم أو تمدّهم بالوسائل.

هذا في المبدأ العامّ الشكلي. أمّا في الواقع العملي وفي الجوهر، فالقوة العظمى تزعم أنّ ثَمّة أطرافاً شرّيرة ومتخلِّفة (متوحِّشة) وهي من فلول الماضي وظلاميته، إسمها الدولة الفلانية والشعب الفلاني والدِّين الفلاني والشخص الفلاني، وأنّ ثَمَّة أطرافاً خيِّرة ومتمدِّنة ومن طلائع المستقبل وضماناته، إسمها كذا وكذا وكذا. ثمة عالم صالح وعالم فاسد. مجتمعات خيِّرة ومجتمعات شرّيرة. مجتمعات مسؤولة ومأمون جانبها، يأتي تعزيز قدراتها لخير الإنسانية. ومجتمعات لامسؤولة ولا يؤتمَن شرها، يأتي تجريدها من قدراتها واجباً لخير الإنسانية. مجتمعات ضمانة، ومجتمعات وَبال. ولا مجال للتهاون مع هذه الأخيرة، أو لتأجيل الحرب عليها. والوسيلة الوحيدة هي إستخدام القوة القصوى عليها وتأمين النصر. والقوة المتوافرة، ترسانة حربية لا سابق لها ولا مثيل. أمّا النصر فسيكون ساحقاً، فيه غالب ينام قرير العين، وفيه مغلوب يغيِّبه الموت ولا تكون له قيامة. فلا مجال للإلتباس، لا في التشخيص ولا في المراهنة. ولا مجال لطلاّب الأمن، والخير، والتمدّن، في أن يتردّدوا في القرار أو أن يُخطئوا في الإختيار بين المعسكرين. فالتردّد جبن وتواطؤ، والخطأ جريمة. طبيعة الحرب جليّة، وطبيعة المعسكرين واضحة للعيان. والخيار الوحيد: جورج بوش وأرييل شارون، أو بن لادن. الحلف الأطلسي وإسرائيل، أو طالبان والظلامية الإسلامية التي تظلم الإسلام، أوّل مَن تظلم. إلى هذا الخيار المشؤوم ينتهي الخطاب الإمبراطوري الرفيع. ولعلّ بؤس الإنسانية أن يُفرَض عليها هذا "الخيار" الواحد الأحد.

الظلاميات واحدة، أيّاً كانت أسماؤها وألوان مسمَّياتها. لكنّ ظلاميات الأقوياء والمتقدِّمين والأغنياء هي الأخطر. فهي أشدُّها قدرةً: تغيِّر وجه العالم وتهدم الهيكل على رؤوس الجميع إذا ما أصاب نيويورك أو تل أفيف مكروه. وهي أخصب الظلاميات تناسلاً وإنتاجاً. تصنع بن لادن أوّل وثانياً وثالثاً ولا تكفّ، وليس من يستطيع ردعها. وهي، الآن، جادّة في إنتاج طالبانات وهتلرات وإسرائيلات بالجملة، مسيحية وإسلامية، بوذية وهندوسية، شرقية وغربية، شمالية وجنوبية. لكنّ إنتاجها المسيحي - اليهودي في مواجهة الإسلام هو المتقدِّم الآن. يحمل رايات الحرب الأُولى.

قيل فيها إنها أُولى حروب القرن.

لكنها بشرى بقرن الحروب.

خلاصة صرختنا، في هذا الكتاب، أنّ هذا القرن لا يتحمّل هذه الحروب. فقرن الحروب، هذا، قد يصبح آخر قرون التاريخ.

أمام الإنسانية جمعاء مهمّتان: منع الكارثة، وضمان المستقبل. مهمّة منع الكارثة تبدأ، في رأينا، بمنع النظام العالمي الجديد من التقدمُّ السريع نحوها والدفع إليها. إنها مهمّة فورية، قد تكون، في الدرجة الأولى، من مسؤولية الدول القادرة على التحرُّك الفوري لوضع بعض الضوابط. وهي مهمّة إجرائية تحتاج إلى الشجاعة، عند حلفاء القوة العظمى وعند الدول الكبرى. قد يكتشف الحلفاء، بعد فوات الأوان، المأزق الكبير الذي تضعهم فيه القوة العظمى معها، والطريق المسدودة والمحفوفة بالمخاطر التي تقودهم إليها. أمّا الدول الكبرى، وعلى رأسها روسيا والصين، فهي مدعوّة إلى تغليب وعيها المسؤول على الإغراءات ب"المكاسب" في حضن القوة العظمى. فما يبدو، اليوم، كبيراً في هذه المكاسب، سيتكشّف غداً عن أنه صغير صغير أمام حجم الأخطار. أمّا الدول العربية و الإسلامية فهيا مضطرّة إلى التعاضد حتى لا تتمكّن القوة العظمى من إستفرادها واحدة بعد الأُخرى. وهي مدعوّة للإنفتاح على العالم الخارجيّ لتحصين مصالحها بالمصالح الدولية في الأمن و الإستقرار.

المستقبل وضماناته

الصراع الحضاري لا "صدام الحضارات"

منع الكارثة لا يكفي لضمان المستقبل. إنه يمنح الإنسانية فرصةً لإستعادة أنفاسها ولإستيعاب ما يحدث بأبعاده المصيرية، من دون أن تكون المقصلة فوق رأسها ، والغرائز تدفعها أو تطاردها. فيُتاح للإنسانية أن تُدرِك أنها لا تواجه حالةً تقليدية من حروب الدول ونزاعات الشعوب، بل إنها في آخر الطريق المسدودة التي وصلت إليها دورة تاريخية عمرها ألفا سنة تأبى أن تزول وهي في أوج قوتها، فتخرج للحرب. تخرج بقوتها العصرية، المتقدّمة من دون حدود، وبكامل منظومتها الثقافية وإرثها الإمبراطوري، المتخلِّف من دون حدود. وهي هذه التركيبة من كلّيّة التقدُّم الوسيلي وكلّيّة التخلُّف الغائي، ما حوّلها إلى آلة مدمِّرة وإنتحارية، لا تتوقّف عن حرب حتى تبدأ حرباً جديدة. وهي لا تخوض هذه الحروب بدافع من مصالح تقليدية فحسب، كما يعتقد بعض المحلِّلين السياسيين والإقتصاديين، بل أيضاً، وفي شكلٍ خاص، بدافع "مصلحيّ" أبعد وأشمل، وهو من أحكام منظومتها الثقافية وإرثها الإمبراطوري، أي بدافع من مصالح تتماهى مع قِيَمها ومفاهيمها وخُلُقياتها ونظرتها إلى الكون والحياة. وقد توقّفنا، منذ قليل، عند هذه المنظومة ونظرتها التي تقسم البشرية إلى عالم الخير وعالم الشرّ. إلى مجتمعات خيِّرة، ومجتمعات شرّيرة. وأبعد من المجتمعات، ثمّة "حضارات" (أديان) على الحالة نفسها من الإنقسام بين عالمَيْ الخير والشرّ، وعلى حال من التصادمية الكلّية والحتمية في الجوهر والواقع، أين منها المفارقة المانوية. [14]

كان الصدام (الحروب) النتيجةَ الحكمية لهذه الرؤية إلى العالم، وإلى كامل المنظومة القيَمية والمفهومية والخُلُقية التي تصدر عنها. من هنا أنّ "صدام الحضارات" ليس اجتهاداً شخصياً، أو إجتهاداً طارئاًًً، وعابراً، وهامشياً، بل هو من صلب ثقافة متكاملة. وهو العنصر الثابت فيها والتعبير الصادق عنها. والأخطر في "صدام الحضارات"، هذا، أنه ينتقل، بسرعة، من كونه نتيجةً لنظرة ومنظومة، إلى أن يكون سبباً تنتج عنه نظرات ومنظومات متطوّرة ومتقدّمة بظلاميتها التدميرية والإنتحارية. فالحروب الدينية، متى انطلقت، تعود لا تتقيّد بحدود مصدرها، بل تصبح مولِّدة لغرائز ونزغات لا يمكن تصوّرُها مسبقاً. وهي تعود لا تقتصر على مصادمة "الآخر" الذي استهدفته في المنطلَق، بل هي تضيق حتى بمَن كان منها وحولها في عالمها الصغير، فتفكِّك عالمها الصغير، هذا، في ذاته، إلى مجموعة "آخرين" تصادمهم على أعنف وأفظع ممّا تصادم "الآخر" البعيد. وإذا كانت تستطيع أن تهادن "الآخر" البعيد على إعتبار أنه فكرة شرّ عامّ تُمكِن مهادنتها، حقبياً، من منطلق تجريدي، فأنها تعود لا تستطيع أن تهادن "الآخر" القريب، على إعتبار أنه واقع شرّ خاصّ وتفصيلي تتصادم معه، يومياً، على كلّ تفصيل في حياتها. وهكذا تحوِّل الحروب الدينية عالمها الصغير إلى مجموعة "آخرين" يتصادمون في ما بينهم ويصادمون "الآخر" البعيد وفقَ إجتهادهم الخاصّ من دون العودة إلى مرجعية ومن دون إحترام هدنة أو قيام مهادنة بين المعسكرَين الدينيَّين. وإذا نظرنا في الوسائل والأسلحة التدميرية المتوافرة، في عصرنا، للجماعات والأفراد، تتبيَّن أخطار الدوّامة الإنتحارية التي تُدخلنا فيها الحروب الدينية الجديدة، وتتبيَّن، بالتالي، فظاعة الجريمة في الدعوة لها. أصحاب "صدام الحضارات" هم مجرمو إنسانية، فوق العادة.

لكنّ "صدام الحضارات" ليس النتيجة والتعبير الوحيدَين عن هاتَين النظرة الكلية والمنظومة القيَمية والمفهومية والخُلُقية. فعناصر النظام العالمي الجديد، وتوجُّهاته، وأحكامه الإختزالية، هي نتيجة أخرى، بل هي التعبير الأشمل عن هذه النظرة ومنظومتها. فليس صدفةً أن يتَّجِه هذا النظام بسُرعة إلى إختصار صورة العالم، والأواصر الإنسانية، والعلاقات الدولية والعالمية، بمنظَّمتين: شبكة أمنية بوليسية، ومنظَّمة التجارة العالمية. هذا الإختزال هو تعبير عن حدود النظرة (ومنظومتها)، لا إلى العالم وعلاقاته فحسب، بل إلى الإنسان والكون والحياة. إنها منسجمة بالتمام مع نفسها إذ هي تختصر العالم بهاتَين المنظَّمتَين، لأنها تختصر الإنسان بهذين البُعدَين: بُعده "الأمني"، تتعامل معه بشبكتها البوليسية، وبُعده "الإقتصادي"، تتعامل معه بالمنظَّمة التجارية. تقمعه بالأولى، وتحصد خيراته وتعطل قُدُراته الإنتاجية بالثانية.

مستقبل الإنسانية، في رأينا، إمّا يكون دورة حضارية جديدة، أو لا يكون. هذا يعني، على وجه التحديد، أنّ ثمة نظرة أُخرى إلى الإنسان والحياة والكون يجب أن تسود بكامل منظومتها المفهومية والقيَمية والخُلُقية، وبكامل عدّتها السياسية.

بلوغ هذا الهدف هو أعظم تحدٍّ تواجهه الإنسانية، لا لتجميل حياتها بل لحفظ بقائها. إنه بناء جديد لا تُُمكن إشادته دفعةً واحدة، بل مدماكاً مدماكاً. حسبنا الآن أن نؤسّس له ونتّجه إليه. وحسبنا، هنا، أن نعيِّن مقولتنا التغييرية للواقع القائم، بالمعارضة مع المقولة السائدة في هذا الواقع. فنحن نقول بالصراع الحضاري في داخل المجتمعات، بالمعارضة مع مقولة "صدام الحضارات" في ما بين الشعوب والأديان والقارّات. ولعلّ منهجية المعارضة في ما بين المقولتين، وفي ما بين مسارَيْهما العمليَّين، من شأنها أن تسهِّل توضيح مقولتنا وإسقاطها على الواقع.

نذكِّر، مرةً أخيرة، بما قلناه سابقاً عن مقولة "صدام الحضارات". فهي أوّلاً تبشِّر بمستقبل صدامي في ما بين "الحضارات" (الأديان وشعوبها). وصدامها هو بسبب تعارضها في الجوهر. وهذا التعارض في ما بينها هو من التعارض الأساس بين الخير والشرّ. فالتعارض في الجوهر يقود إلى التصادم في الواقع. وعلى "الحضارة" الكاثوليكية- البرتستانتية- اليهودية ( الغرب) أن تستعدّ لهذا الصدام الحكمي بدءاً من مواجهتها مع الحضارات الإعتدائية، أيْ مع الإسلام والمسلمين، على وجه التحديد والدقّة.

لا يستطيع أحد أن يُنكِر أنّ نسبة عالية من سكّان العالم، لا سيّما من أبناء الشعوب و"الحضارات" المعنيّة مباشرةً بهذا "الصدام"، بدأت تعتقد، في الفترة الأخيرة، أنّ هذه المقولة هي قيد التنفيذ، أو أنّ هذه الشعوب والحضارات بدأت تتخوَّف من ذلك. هذا يعني أنّ هذه المقولة أصبحت واقعاً، سَواء بالوقائع وفي أذهان الناس معاً، أم في أذهان الناس وحدها على الأقلّ. وقد تردّدت مقولة "صدام الحضارات" على ألسن العامّة والخاصّة، وفي وسائل الإعلام، وأوساط المفكِّرين والسياسيين، أكثر من كلّ فكرة أو مقولة أخرى. وأثارت، في الغالب، مخاوف ومعارضة عامّة. مع العلم أنّ نسبة عالية من معارضتها تأتي من نوعها. الحكم على "الحضارة" الإسلامية يعارضها حكم على "الحضارة" الغربية، المتضمِّنة أحياناً المسيحية. الحكم على مجتمع عربي أو إسلامي يعارضه حكم على المجتمع الأميركي أو البريطاني. وهذه الأحكأم على المجتمعات تأتي، في الغالب، أحكاماً على "جوهرها"، لا على وضعها الراهن. وهذا يعني أنّ عدداً كبيراً من الأطراف منساق إلى ثقافة "صدام الحضارات" من دون أن يعلم ذلك. يعترف بها ويثبتها ويؤيِّدها في مبدأها وهو في معرض إنكارها وإستنكارها. وهذا الأمر لا يأتي بالصدفة. إنه يحصل لأنّ الخلفية الثقافية التي تصدر عنها مقولة "صدام الحضارات" ليست حِكْراً على شعب من دون الآخر. إنها قائمة عند جميع الأطراف. وهي غالبة فيها. هذا ما يفسِّر أنّ ردود الفعل تأتي، غالباً، من طبيعة الفعل. جريمة "صدام الحضارات"، أنه يعزِّز هذه الثقافة عند الغالب والمغلوب، ويدفع بها إلى نهاياتها الكارثية.

وفضيلة الصراع الحضاري في قلب كل مجتمع، أنه يعزِّز الثقافة الأُخرى النقيضة، القائمة أصلاًً في جميع الشعوب، ويدفع بها إلى نهاياتها السعيدة بإنشاء دورة حضارية جديدة تُسهم فيها جميع الشعوب و"الحضارات".

الصراع الحضاري ينطلق من نقض ما يزعمه "صدام الحضارات". فليس ثمة مجتمعات و"حضارات"(أديان) خيّرة وأُخرى شرّيرة. بل ثمة ثقافات خيّرة وثقافات شرّيرة وثقافات وسيطة في كلّ مجتمع. وهذا يعني، بالتالي، أنّ إنقاذ الإنسانية ممّا هي عليه الآن من أخطار، لا تكون بإنتصار شعب على شعب ودِيْن على دِيْن، بل بإنتصار ثقافة الخير على ثقافة الشرّ في قلب المجتمعات والأديان. أيْ بإنتصار ثقافة التنوير، والإنفتاح، والشراكة، والمسؤولية، والإقبال على "الآخر" (لا التسامح معه فقط)، على ثقافة الظلامية، واللاّمسؤولية، والغلبة، وإنكار "الآخر" والتصادم معه حتى الإخضاع أو الإلغاء. الدورة الحضارية الجديدة تُنشئها ثقافة التنوير في الشعوب، وتُنشئها جميع الشعوب في العالم. وهي تُنشئها بالصراع الحضاري. إنقاذ الإنسانية وضمان المستقبل لا يكونان بصدام "الحضارات" بل بالصراع الحضاري.

حسْبُ هذا الصراع، في مرحلة أُولى، أن ينجلي عن البدائل الممكنة التي أصبحت ضرورية من دونها الإنتحار؛ وأن يستنفر حسّ المسؤولية في أعلى درجاته، ليقيم التوازن، المفقود والمفتَقَد، بين القدرات الهائلة الجديدة والمتزايدة وحسّ المسؤولية في التعامل مع هذه القدرات عند القابضين عليها؛ وأن يعمل على تسديد الخلل بين الحضور القويّ لثورة الوسائل وبين الغياب شبه الكامل، أو الحضور المهمَّش للغايات الإنسانية، ما يسمح للوسائل بأن تصبح غاية في ذاتها، وما يمكِّن الغايات المتوحّشة أو المتأخّرة من أن تستأثر بقدرات الوسائل المتقدّمة؛ وأن يتجنّد لإعادة وصل ما انقطع في ظلّ ثورة الإتّصال، ولإعادة التقارب إلى ما تباعد في عصر إختصار المسافات، ولإخماد الروح التصادمية التي تصاعدت في عصر تَرابط المصالح والمصائر وفي ظلّ إيديولوجية "القرية العالمية" الواحدة.

[1هذا خلافاً لما يعتقده معظم المؤرخين للمرحلة النيوليتية، وقد اعتبروا أنّ الهاجس الغذائي هو الحافز الثقافي الأوّل، ليفسّروا ظاهرتي تدجين الحيوان ونشوء الزراعة.

[2فوكوياما في "نهاية التاريخ".

[3هذا ما يفسّر أنّ تاريخ الشعوب والحضارة ظهر متأخِّراً في الغرب الأوروبي، وظلّ هامشياً بالنسبة إلى تاريخ الأمراء والكنيسة.

[4نخصّ الحالتين، اليونانية والرومانية، بملحق توضيحي لثلاثة أمور فيهما: مفهوم "الآخر"، والمفهوم الأمني، و مفهوم العالمية. مع العلم أنّ كلتيهما أتيحت لها الفرصة لوراثة العالم القديم واستكمال تآلفه، وأنّ كلتيهما عجزت عن ذلك وأدّت دوراً في تدميره. ومع ذلك، ظلّ الأعتقاد سائداً أنّ المرحلة اليونانية-الرومانية هي المرحلة الأولى المؤسِّسة للإنفتاح العالمي وللتفاعل الحضاري بين الشعوب

[5هو النيوليتي- القرى الأولى- الخروج من الكهف....

[6انضوى السلاح الحجري في النظام الأمني المتطوّر والصاعد الجديد، بعد أن كان، في السابق، إنجازاً ثقافياً أبرز، ونظاماً أمنياً قائماً بذاته، محدوداً بمفاعيله وبطيئاً جداً (شبه جامد) في تطوّره على إمتداد مئات آلاف السنين

[7إنتاج النار وإستخدامها كان عاملاً أمنياً مهمّاً ولكنه لم يكن حاسماً ومتطوّراً. كان أيضاً مجمًّداً في حدوده، لم يستطع أن يسرّع في المسار الأمني وفي إرتقاء الإنسانية أو أن يؤمّن نقلة نوعية فيهما كما فعل الإستقرار. وهو، من هذا الوجه،لا تتعدّى نسبته إلى الإستقرار، الواحد بالمئة: ما حقّقه الإستقرار في خلال خمسة آلاف سنة لم يحقّقه إنتاج النار واستخدامها في خلال خمسماية ألف سنة أو أكثر.

[8تجارب الإستقرار المنعزلة التي لم تدخل طور العلاقات، اندثرت في غالبيتها ولم تترك أثراً. وهذا ما يفسّر ظاهرة الإنقطاعات في المواقع الأثرية التي عرفت الإستقرار وبناء البيوت. لكنّها انقطعت وزالت من الوجود ولم تترك أثراً في بيئتها. حتى اضطُرّت هذه البيئة إلى إنتظار آلاف السنين قبل أن تعاود الإنطلاق من الصفر في بناء الييوت والإستقرار، أو أن تتمكّن من الإفادة من تجربة خارجية متطوّرة دخلت عليها أو جذبتها إليها.

[9الثورة النيوليتية هي، من حيث الإستمرارية والإنتشار وبالتالي الإرتقاء، ثورة أمنية في الدرجة الأولى.

[10الإمبراطورية الرومانية التي امتلكت أعظم آلة حربية في التاريخ القديم، والتي جاءت متأخِّرة ثلاثة آلاف سنة عن نشوء العالم القديم، عمدت إلى الإكتفاء بجزء من ذلك العالم، هو حزام المتوسط، أنشأت فيه نظاماً أمنياً قائماً على الآلة الحربية إستهلك قوى الإمبراطورية وعمّم ثقافة الحروب المستمرّة والدائمة، حتى سقوط الإمبراطورية تحت ضربات "الداخل" الذي قهرته و"الخارج" الذي صادمته أو تجاهلته.

[11أنظر كلمة "برابرة" في معناها وتاريخيتها بدءاً من أصلها اليوناني-الروماني. انظر أيضاً: يوسف الأشقر، "الأمن في المتوسط والمصائر الأوروبية"، "في السلم الإسرائيلي والحرب اللبنانية"، بيروت 1987. أنظر أيضاً الملحق الأول.

[12مؤسّسة الطريق صارت تشمل وسائل الإتّصال وتكنولوجيات السرعة الجديدة.

[13قالوا ب"المعجزة" اليونانية، الممتدّة والمتحوّلة إلى يونانية - رومانية، على إعتبار أنّ "الظاهرة" اليونانية جاءت من العَدَم في الحضارة، وأنّ "الظاهرة" اليونانية - الرومانية، أو الرومانية، جاءت من العَدَم في السياسة وفي النظام الأمني العالمي أو ما يُدعى بالسلم الروماني ( باكس رومانا). ولعلّ "المعجزة" اليونانية - الرومانية الحقيقية هي في أن تستطيع دورتهما الإمبراطورية، في خلال ثلاثة قرون فقط، أن تدمّر ثلاثة آلاف سنة، هي دورة العالم القديم التأسيسيّة، وأن تمحو آثارها العمرانية ووجودها نفسه من الذاكرة التاريخية على امتداد ألفي سنة تقريباً، حتى أُتيح لهذه الدورة، المؤسِّسة والمُنشئة، أن تستعيد "وجودها" التاريخي بفضل الحفريات الأثرية في القرنين الأخيرين من الألف الثاني بعد الميلاد.

[14النسبة هي إلى ماني وثنويته، والقول بأنّ الكون خاضع لمبدأين متعارضين أحدهما الخير والآخر الشرّ.