الفصل الثاني

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2006

II

مكافحة الإرهاب هروب إلى الأمام

السياسات الأميركية - الإسرائيلية لـ"مكافحة الإرهاب"، في ربع القرن الأخير، بدأت في السنة الأُولى من مطلعه على أثر حرب تشرين عام 1973، بلائحة الدول "المارقة" التي وضعتها الولايات المتحدة الأميركية وحدها في الشكل وبالمشاركة الإسرائيلية بالفعل. التسمية قصدوا بها التعبير عن نيّات التعامل الأميركي - الإسرائيلي مع "المارقين"، الخارجين على "قدسية" اللعبة الدولية وعلى مركز القرار الأميركي [1] الأول فيها. وعلى مدى ربع قرن، تفرّدت أميركا في تقرير الأسماء المدرَجة على هذه اللائحة، بثوابتها ومتغيّراتها. ولا أحد يعرف المثال الذي وضعته لتقرير الأمانة، ولا المعيار الذي اعتمدته لإعلان المروق. ويبدو أن السياسات الأميركية لمكافحة الإرهاب لم تقصد بها أميركا مكافحة الإرهاب بقدْر ما قصدت معاقبة الدول التي تعتبرها عدوّة أو عدوّة محتمَلة لها ولإسرائيل (الدول العربية والإسلامية)، أو الدول القريبة من عدوّها السوفييتي آنذاك (بعض الدول العربية من بينها)، أو الدول التي لا تنصاع لها في مناطق "محمياتها" ونفوذها المطلق، كما في أميركا الجنوبية (كوبا)، أو في مناطق "مصالحها الحيوية" كما في الشرق الأوسط (الدول العربية وإيران) ومشارف بحر قزّوين (إيران، وأفغانستان لاحقاً)، أو في المناطق الستراتيجية كما في الشرق الأقصى (كوريا الشمالية). وقد قصدت أميركا من اللائحة أن تكون عنواناً جاهزاً بشكل دائم لتبرير الضربات أو العقوبات توجّهها إلى الدول المعنية أو تهوّل بها.

ومن نماذج التفرّد والتعسّف الأميركيين في هذا الصدد، أنّ إسم سوريا كان على اللائحة منذ اليوم الأول حتى الآن، مع أنّ المراجع الأميركية تعترف بأنه منذ عام 1986 على الأقلّ لم يثبت على سوريا أمر واحد يدينها. أُدرج إسم سوريا، في الأصل، وبقي على اللائحة السوداء لمدة ربع قرن كامل، بقرار أميركي (أميركـي – إسرائيلـي) إستنسابي ومتفرّد. وبشكـل إستنسابـي ومتفرّد، قرّرت أميركا عام 1982، في حرب الخليج الأولى، أنّ العراق ما عاد دولة مارقة، فأخرجته من اللائحة. ثمّ أعادت إعتباره دولة مارقة عام 1990، في حرب الخليج الثانية.

الثابت الوحيد في الأسماء المدرَجة على لائحة المروق، أنّ أكثريتها كانت إسلامية أو عربية في شكل دائم. الأعضاء الدائمون فيها سبع دول، خمس منها إسلامية أو عربية.

عقيدة إسرائيلية

حرصت إسرائيل، الشريكة الأُولى والوحيدة في تعيين الدول "المارقة"، على أن تبقى أكثرية هذه الدول إسلامية أو عربية. ثُمَّ إن مبدأ لائحة الدول "المارقة" يعبّر عن المفهوم الأميركي - الإسرائيلي للإرهاب وعن سياسات التعامل معه (مكافحته). فالمبدأ يقول إنّ الإرهاب هو الدول "المارقة"، فتكون هذه الدول مسؤولة عنه أمام أميركا أو إسرائيل، أو أمامهما معاً ، ومسؤولة، من ثَمَّ، في عيون العالم. والسياسات تقضي بمعاقبة هذه الدول - "المرجعيات" على ما تفعله هي أو ما يفعله أو ما يمكن أن يفعله أحد مواطنيها، بقطع النظر عن حقيقة مسؤوليتها هي وأياً كان مستوى الدليل على مسؤوليتها. حتى إذا لم توجَد هذه المرجعيات، وجُب إيجادها وتحميلها المسؤولية، كما حصل مع الإنتفاضة الفلسطينية الأُولى التي أوقفتها السلطة الفلسطينية في "أوسلو" وبعدها، ثُمَّ مع الإنتفاضة الفلسطينية الثانية المستمرّة حتى الساعة. فإسرائيل لا تعترف بإنتفاضة الشعب الفلسطيني، بل هي تقول بمروق السلطة الفلسطينية. وهي ترشّح هذه السلطة، الآن، للإنضمام إلى لائحة الدول "المارقة"، وتُحمّلها مسؤولية العنف الفلسطيني أو مسؤولية التساهل معه.

ثَمَّة ثلاث محطات رئيسية في السياسات الأميركية -الإسرائيلية لـ"مكافحة الإرهاب"، حصلت كلّها في منطقة الشرق الأوسط: العراق، منذ 1990، يُضرَب شعبه تحت عنوان مكافحة إرهاب صدّام حسين؛ "أوسلو"، عام 1993، أُريد منها، إسرائيلياً وربما إسرائيلياً-أميركياً، إنهاء الإنتفاضة التي دُعيت إرهاباً؛ مؤتمر شرم الشيخ، عام 1995، أنهى "أوسلو" وشرّع لأوّلية مكافحة الإرهاب على السلام وعلى كلّ إعتبار آخر، وعيّن الأطراف المسؤولة عن مكافحته وحدّد إلتزاماتها.

نموذج ضرب العراق قد يكثر إعتماده في المستقبل، مع بعض التعديلات عليه.

نموذج إنهاء الإنتفاضة الفلسطينية الأُولى قد لا ينطبق على حالات أخرى، لكنه يُعتمَد من جديد في فلسطين لإنهاء الإنتفاضة الحالية.

أمّا مؤتمر شرم الشيخ، عام 1995، فقد كرّس عقيدة "مكافحة الإرهاب". وهي عقيدة وضعتها إسرائيل، وتبنّتها الولايات المتحدة بحماسة، في حضور الدول العربية التي اشتركت في المؤتمر. وضعتها إسرائيل دليلاً لسياستها الإقليمية ولمستقبل الشرق الأوسط الجديد الذي تريده، وبديلاً لمشروع السلام، أو ترجمةً إسرائيلية أخيرة لهذا المشروع. ويتلخص، بموجبها، الشرق الأوسط الجديد، بشبكةٍ أمنية إقليمية تشغل الدول العربية بمكافحة شعوبها، فتحمي إسرائيل، وتغطّي حرية الحركة الإسرائيلية في العالم العربي. فهي مشروع مستقبل الشرق الأوسط في المفهوم الإسرائيلي، باعته إسرائيل من الأميركيين مشروعاً لمكافحة الإرهاب.

ففور إنتهاء مؤتمر شرم الشيخ، إختطف الإسرائيليون الرئيس كلينتون إلى إسرائيل وشغّلوه على مدار الساعة، هو وكبار معاونيه الذين استدعاهم على جناح السرعة من واشنطون. ثُمّ غادر الرئيس الأميركي إلى بلاده مزوّداً بالخطة الإسرائيلية التي أصبحت خطة أميركية وعنواناً للخطاب السياسي الأميركي. وهكذا صارت مكافحة الإرهاب عقيدة الحرب الأميركية، وصار الإرهاب موضوع الساعة في الدوائر العليا الأميركية وفي واجهة الإعلام. وبسحر ساحر، بدأت المكتبة الإرهابية تغتني بمئات الكتب وألوف الدراسات عن الإرهاب بعامّة، وعن الإرهاب العربي - الإسلامي بخاصّة. [2]

إنها الآن العقيدة التي تعتمدها القوة الأميركية - الإسرائيلية في "مكافحة الإرهاب"، والتي قد تعتمدها كلتا القوتان أو إحداهما للردّ على العمليات الإرهابية الكبيرة التي قد تحصل عند أيٍّ كان منهما.

ما هو أهمّ ما في العقيدة الإسرائيلية لمكافحة الإرهاب والردّ عليه التي وُضعت في "شرم الشيخ"؟

المبدأ الأول: أولية الأمن على السلام، على إعتبار أنّ الأمن يُنتج السلام، لا العكس، نقضاً لأساس مشروع السلام وللمفاهيم والأوّليات التي قام عليها. وأوّلية الأمن أُريد منها أن تعني، حصراً، أوّلية مكافحة الإرهاب، من دون السماح بتحديد مفهوم الإرهاب.

المبدأ الثاني: أولية حماية أمن إسرائيل وأمن مشروع السلم الإسرائيلي من أخطار الإرهاب، على إعتبار أنّ مشروع السلم الإسرائيلي هو مشروع السلام.

المبدأ الثالث: مسؤولية الدول العربية عن أمن إسرائيل وأمن مشروعها، وما ترتّبه هذه المسؤولية على الدول العربية من إلتزامات في مكافحة الإرهاب في أوساط شعوبها، وهذا تحت طائلة العقوبة للدول المخالفة أو المقصّرة. المبدأ الرابع والأخير: إعلان جبهة السلام وجبهة أعداء السلام. أعداء السلام هم إرهابيون محتمَلون، يجب التعامل معهم على هذا الأساس، من ضمن مبدأ الإلتزام بعقيدة مكافحة الإرهاب.

ماذا أرادت إسرائيل من مؤتمر شرخ الشيخ كمحطة تاريخية؟ ماذا توخّت إسرائيل من مشروع "مكافحة الإرهاب"؟ ما كانت حصيلة هذا المشروع؟

أولاً: شعرت إسرائيل بأنها في موقع قوة يتيح لها أن تبسط هيمنتها الإقليمية وأن تحقّق أغراضها بفرض شروطها على الدول العربية من دون مشروع السلام أو من دون الإلتزام بمبادئه من جهتها. فقرّرت إيقاف مسار السلام وإنهاء مشروعه من دون أن تُسقِط يافطته. فجاء مشروع "مكافحة الإرهاب" ينهي، عملياً، مشروع السلام ويستبدل به مشروع "التعاون الأمني"، على إعتبار أنّ السلام يمرّ بالأمن، عملاً بالمبدأ القائل بأوّلية الأمن على السلام. فاختفى، فجأةً، الوعد بـ"شرق أوسط جديد" يسوده السلام والوئام، وتنزل عليه النِعَم، وينصرف فيه الجميع إلى ورشة عمل ناهضة لبناء تاريخ جديد لخير المنطقة وخير العالم، وحلّ مكانه شبحُ شبكةٍ أمنية إقليمية لمكافحة الإرهاب موصولةٍ بأميركا، ومُعَدّةٍ لتصبح الشغل الشاغل للدول العربية.

ثانياً: الجواب عمّا توخّته إسرائيل من مشروع "مكافحة الإرهاب" يقتضي التذكير بأنّ مؤتمر شرم الشيخ جاء في أعقاب عمليات قامت بها المقاومة الفلسطينية في وجه الإحتلال الإسرائيلي، وتعبيراً عن اليأس الفلسطيني من حصول السلام، وردّاً على العنف الصادر عن مشروع السلم الإسرائيلي، وتصعيد شروطه وتعسّفية تطبيقها على الفلسطينيين، والنتائج المأسوية الحاصلة في حياتهم. فوجدت إسرائيل الفرصة سانحة لها، وهي في موقع القوة وقد اطمأنّت إلى علاقاتها "التطبيعية" مع الدول العربية، لتفرض نقل العنف من ساحتها إلى الساحة العربية. قالت للدول العربية، "شريكتها" في "التطبيع"، إنّ الطريق إلى السلام يمرّ بمكافحة الإرهاب. فإمّا أن تكون في معسكر السلام وشريكةً فيه، فتضرب الإرهاب في صفوف شعوبها، وإمّا أن تكون في معسكر أعداء السلام وشريكة الإرهاب. ثُمّ قالت للدول العربية بالفم الملآن إنّ على معسكر الإرهاب وأعداء السلام أن يعرف، ويعرفوا أنّ جميعاً إختاروا الحرب وأنّ عليهم جميعاً أن يتحمّلوا تبعاتها القاسية. كما أنّ على الذين يختارون معسكر السلام أن يقوموا بالتزاماته تحت طائلة العقوبة إن هم تخلّفوا أو تهاونوا. ولم تكتفِ إسرائيل بذلك. فعمدت، في غياب تحديد مفهوم الإرهاب، إلى تعميم هذا المفهوم بحيث يشمل قطاعات وشرائح واسعة من الشعوب العربية، المعترضة على مشروع السلام الإسرائيلي، أو المتمرّدة على شروطه الخطرة والمهينة، أو المتحفّظة من بعض وجوهه. فجاء التعميم الإسرائيلي يُلزم الدول العربية، بحكم مشروع مكافحة الإرهاب، بأن تتعامل مع هؤلاء جميعاً على أساس أنهم أعداء السلام وإرهابيون محتمَلون، فتكافحهم وتطاردهم ، وتحوّل مَلفّاتهم كلّها إلى مركز الشبكة الأمنية في إسرائيل، وتسوق بعضهم إلى العدالة الإسرائيلية. واضحٌ أنّ إسرائيل تنطلق من أنّ زعامة المنطقة قد عُقدت لها وأنّ "التعاون الأمني" عبر المؤسّسة الأمنية الجامعة يتيح لها أن تكون في مركز الحكم والقرار، وهي آمنة، في وسَط واسع يسوده العنف. إذ أنها قصدت أن تُرغم الدول العربية على ممارسة العنف على شعوبها على أوسع نطاق، ما يؤدّي حكماً إلى التصادم وإلى إحداث شرخ عميق بين الدول والشعوب، وإلى تهديد الإستقرار وقمع الحريات وتصاعد العنف. ثُمّ تعهد إسرائيل إلى شبكاتها الإعلامية في الخارج بشنّ حملات تشهيرية بالدول العربية لأنها لا تحترم حقوق الإنسان وتعتدي على الحريات والديمقراطية. ثُمّ تخلص إسرائيل إلى الإدّعاء أنّ العقبة أمام السلام في الشرق الأوسط هي إفتقار الطرف العربي إلى الديمقراطية. فالسلام لا يكون إلاّ بين أطراف ديمقراطية.

لكنّ إستحالة السلام مع العرب، بسبب لاديمقراطيتهم، لا تعني إعفاءهم من حقوق المشروع السلمي عليهم بفتح أبوابهم لإسرائيل، بل تعني إعفاء إسرائيل من تقديم "تنازلات" لأطراف لم ترتقِ، بعد، إلى مستوى الشراكة.

في الحصيلة الأخيرة، تكون إسرائيل في وضع يسمح لها بالإنصراف إلى تنفيذ استراتيجياتها الإقليمية والدولية، بينما تكون الدول العربية منشغلةً بمصادمة شعوبها لحماية أمن إسرائيل، ومحكومةً بأن تلبّي الشروط الإسرائيلية المتصاعدة أبداً.

ثالثاً: ما هي حصيلة هذا المشروع؟ لم تنجح إسرائيل في جرّ الدول العربية المعنيّة إلى هذا الفخّ إلاّ جزئياً. لا سيّما أنّ أهمّ هذه الدول (مصر مثلاً) التي راهنت على مشروع السلام وعلى دورها المركزي فيه، بدأت تكتشف التحوّل عنه وتفتقد، بالتالي، دورها، وتستفظع إختزال هذا الدور وأفقه الواسع الذي وعدت به شعوبها، إلى وظيفة أمنية تهدّد إستقرارها وأمنها وأمن شعوبها.

لكنّ إسرائيل باشرت العمل بمشروعها مع الفلسطينيين، الواقعين تحت إحتلالها المباشر. ولعلّ تعاملها مع الوضع الفلسطيني هو النموذج لِما أرادته أن يحدث للدول العربية ومجتمعاتها: وضع المجتمعات في موقع الإتّهام بممارسة الإرهاب، ووضع الدول العربية في موقع الإتّهام لأنها لا تكافح الإرهاب بالقدْر الكافي، مع ما يستتبعه هذا الإتّهام من عقوبات. هذا يجعل الدول العربية سنْداناً بين ضربات النقمة عليها من شعوبها وضربات العقوبة من إسرائيل. وبالفعل، نستطيع تلخيص التعامل الإسرائيلي مع السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، منذ 1995 في ضوء مشروع "مكافحة الإرهاب"، بتحويل المشهد الفلسطيني من مشهد الإحتلال وفظاعاته، إلى مشهد قفص إتّهام للسلطة والشعب معاً، مع الإصرار الإسرائيلي الدائم على أن يسود العنف بين الطرفين في داخل هذا القفص.

هذا التطوّر جعل العنف الإسرائيلي لـ"مكافحة الإرهاب" يفوق، بأضعاف، عنف الإحتلال. ما أدّى، تلقائياً، إلى زيادة عنف المقاومة الفلسطينية وصولاً إلى الإنتفاضة.

ما كان المردود الأمني على إسرائيل من هذا التصعيد؟ إنّ إسرائيل اليوم هي أقلّ أماناً منها في أيّ وقت مضى. ونحن نشهد إندفاعاً إسرائيلياً قوياً وسريعاً في الطريق المسدودة على الحلول، المفتوحة على الكوارث. وقد تكون كوارث إسرائيل المحتمَلة من النوع الخطير الذي يخلّف عشرات الأُلوف أو مئات الأُلوف من الضحايا والمصابين، فضلاً عن إحتمالات الدمار الذي لم يسبق له مثيل إلاّ في الكوارث الطبيعية الكبرى في تاريخ هذا الكوكب السيّار. إنّ الوضع يتقدّم بسرعة نحو إحتمال إستخدام الطرفين أسلحة الدمار الشامل.

مشروع "مكافحة الإرهاب" في السياسات الأميركية

كان مؤتمر شرم الشيخ ومشروع مكافحة الإرهاب الذي انتهى إليه، نقطة تحوّل أيضاً في عناوين سياسات أميركا الخارجية، السياسية والأمنية، في جانبها الإعلامي على الأقلّ. كأنّ أميركا وجدت ضالّتها في الإرهاب، بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، وهي بهاجس البحث عن عدوّ يناسبها، داخليا،ً لتبرير ميزانيات التسلّح ويتلاءم، خارجياً، مع دعوتها أو رسالتها العالمية و"الإنسانية" في وجه شرّ ما، ويبرّر إستمرار الحلف الأطلسي وتمديده وتوسيع صلاحياته وتنويع وظائفه، ويسمح لها بتنفيذ استراتيجياتها السياسية والعسكرية والإقتصادية وبسط سيطرتها العالمية. ولعلّ أطرف ما طلعت به مؤخّراً هو تعليل استراتيجيتها الدفاعية ومشروع الدرع الصاروخية بضرورات مكافحة الإرهاب ومطاردة الإرهابيين.

كيف تعاملت السلطات الأميركية مع مشروع مكافحة الإرهاب في سياساتها الفعلية بعد أن اقتبسته حرفياً من المشروع الإسرائيلي في شرم الشيخ؟

هي سارت على خطاه في كل شيء. لكنها نقلته من المستوى الإقليمي الذي كان عليه في الأصل، إلى المستوى العالمي، ليكون عنواناً لسياسات أميركا الخارجية والدفاعية المعلَن عنها في حملاتها الإعلامية. وقد أرادت به موضوعاً لإحراج الدول الأُخرى في العالم كلّه، كما أرادت به إسرائيل من قبلها موضوعاً لإحراج الدول العربية، لإدخالها تحت مظلّتها أو لإخراجها من الشرعية الدولية وعليها.

أوّلاً: يتبيّن من ممارسات أميركا وسياساتها الفعلية أنّ عنوان "مكافحة الإرهاب" قد اعتمدته، في الأصل، لغايات إعلامية وتحريضية فقط، يصبّ بعضها في مصلحة سياسات إسرائيل ومشروعها الإقليمي والدولي، ويصبّ بعضها الآخر في مصلحة سياسات أميركا الفعلية في العالم.

ثانياً: السياسات الأميركية الحقيقية، التي أخفتها السلطات الأميركية وراء مشروع مكافحة الإرهاب وعنوانه، هي سياسات تسعى إلى الهيمنة الدولية، وتصرّ على فرض شروط العولمة الأميركية - الإسرائيلية والنيوليبيرالية على الدول والشعوب.

ثالثاً: السياسات الأميركية لمكافحة الإرهاب زاد عنفها على عنف سياسات العولمة في ذاتها. وإذا كانت العولمة زادت في إحتمالات الإرهاب على أميركا، فسياسة مكافحة الإرهاب زادت أضعافاً في هذه الإحتمالات.

رابعاً: في المرحلة التأسيسية، السياسية - الإعلامية، لمشروع "مكافحة الإرهاب"، أي بين 1995 و1998، إدّعت السلطات الأميركية أنّ مكافحة الإرهاب تأتي في الأوّلية في سياساتها، الداخلية والخارجية، فطمأنت المجتمع الأميركي إلى أمنه من جهة أُولى، واستنفرت العالم للإلتحاق بمشروعها من جهة ثانية. لكنّ هذا الإدّعاء منافٍ للواقع. فهي لم تفعل شيئاً، في تلك الفترة، يُثبت صدقها وجدّيتها في هذا الموضوع. وقد كشف الخبراء الأميركيون وفنّدوا السياسات والميزانيات الدفاعية الأميركية وأثبتوا أنّ مكافحة الإرهاب كانت تأتي في أدنى درجات سلّم الأوّليات عند السلطات (أنظر الملحق الثالث حول الجدّية الأميركية). ولم تبدأ أميركا تتعامل جادّةً، مع هذا الموضوع إلاّ بعد ازدياد خطر الإرهاب نتيجةً لسياسات المكافحة. لكننا نجد أنّ هذا التعامل "الجادّ" الجديد في المكافحة زاد، من جديد، في خطر الإرهاب حجماً ونوعيةً وفعاليةً، وهذا حسب تقويم الخبراء الأميركيين أنفسهم وإحصاءاتهم. هذا يعني أنّ مشروع مكافحة الإرهاب، بطبيعته، هو هرب إلى الأمام، ودوّامة من العنف المتبادَل والمتصاعد. وهو يتقدّم بسرعة، بسبب إزدياد عنفه، نحو زيادة الإحتمالات في إستخدام أسلحة الدمار الشامل، كما يحصل مع إسرائيل تماماً. ولم يبقَ على أميركا إلاّ أن تتوقّع وتنتظر عملية كبرى عليها كي تدفع بهذا المنطق التدميري والإنتحاري إلى نهاياته الكارثية.

في هذا السياق ومنطقه، وإستكمالاً له، ماذا يمكن أن تفعله أميركا في حال تعرّضت لعملية إرهابية كبرى بأسلحة الدمار الشامل؟ ما هي المبادئ التي ستعتمدها، لها وللعالم، في الردّ على العملية؟ كيف ستطبّق هذه المبادئ؟ ماذا يمكن أن تتوخّاه من ذلك؟ هل ستكون أميركا (وإسرائيل) أشدّ أماناً، في نتيجة ذلك؟ وأخيراً، ما هي مفاعيل ذلك على الوضع الأمني، فضلاً عن الوضع الإنساني، في العالم؟ من المرجّح أن تعود أميركا إلى ثلاثة ثوابت في تعاملها مع الموضوع: لائحة "الدول المارقة"، ومبدأ "صدام الحضارات"، ومشروع "مكافحة الإرهاب" الموضوع في شرم الشيخ. تتوجّه ردّة الفعل الفورية إلى دول عربية وإسلامية موضوعة سلفاً على لائحة الدول المارقة. وتتصاعد حملة واسعة طائشة تقودها مبادئ "صدام الحضارات" على المسلمين والإسلام في ذاته. وهي حملة تتلاقى وتتطابق مع الهدف الإسرائيلي الأساسي والدائم، كما رأينا سابقاً.

من المرجَّح أن تكون عقيدة "مكافحة الإرهاب"، الجاهزة، هي الدليل الأساس في التعامل الأميركي مع الموضوع. فتعود أميركا إلى هذه العقيدة التي أصبحت مشروعاً متكاملاً وشرعياً في شرم الشيخ، فتعتمدها بجميع بنودها، وأحكام منطقها، وحلقات تطبيقها. ولن يكون على أميركا إلاّ أن تنقلها من إطارها الإقليمي السابق إلى المدى العالمي.

في المنطلق، سيصير التقيُّد بمبادئ شرم الشيخ حرفياً: أوّلاً: الأوّلية المطلقة هي لمكافحة الإرهاب. ثانياً: تحميل الدول مسؤولية الإرهاب الصادر عن منظمة، أو حتى عن مواطن من مواطنيها، بقطع النظر عن مستوى مسؤوليتها هي وعن مستوى الدليل على مسؤوليتها. ثالثاً: مسؤولية مكافحة الإرهاب تقع على دول العالم، في المبدأ، وعلى الدول العربية والإسلامية، بالواقع والأوّلية. رابعاً: عدم تحديد مفهوم الإرهاب، من جهة أُولى، وتعميم هذا المفهوم وتوسيعه، من جهة ثانية، بحيث يشمل قطاعات واسعة تقتضي مكافحتها، ثُمّ تسليم بعضها إلى المرجعية الأميركية. خامساً: قسمة دول العالم إلى معسكرين: معسكر مكافحة الإرهاب، وهو يشمل الدول التي تلتزم بالشروط الأميركية، التصعيدية في طبيعتها، على غرار الشروط الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية. ومعسكر الدول التي لا تلتزم بهذه الشروط أو تتحفظ من بعضها، فيُهدَر أمنها وإستقرارها، وربما دمها، منذ لحظة اعتراضها. هل من حاجة إلى التذكير بأنّ هذه المبادئ هي نسخة طبق الأصل عن المبادئ الإسرائيلية في شرم الشيخ؟

أمّا ما يمكن أن تتوخّاه أميركا من إعتماد هذه المبادئ، فهو بالضبط ما توخّته إسرائيل منها منذ ذلك الحين.

شعرت إسرائيل، يومذاك، بأنها في موقع قوة لتفرض نظامها الإقليمي من دون شركاء. وستشعر أميركا (ومعها شريكتها إسرائيل) اليوم بأنها في موقع قوة لتفرض نظامها العالمي من دون شركاء فعليين، بل بدول تصطفّ وراءها بإسم الشراكة.

ستريد أميركا، كما أرادت إسرائيل من قَبْلها، نقل العنف إلى ساحة الآخرين. ستقول أميركا لدول العالم (للدول العربية والإسلامية أولاً)، كما قالت إسرائيل للدول العربية من قبل، إنّ الطريق إلى الشرعية الدولية (الأميركية - الإسرائيلية) تمرّ بمكافحة الإرهاب والإلتزام بكامل شروطه. فإمّا أن تقف الدول وراء أميركا في معسكر الأمن والشرعية، فتضرب الإرهاب في صفوف شعوبها، وإمّا أن تتخلف عن الإلتحاق بأميركا، فتكون في معسكر الإرهاب. تماماً كما خيّرت إسرائيل الدول العربية آنذاك وعاملتها على هذا الأساس. وقد تقول أميركا لدول العالم، كما قالت إسرائيل للدول العربية من قبل، إن على معسكر الإرهاب وأعداء الإنسانية أن يعرف ويعرفوا أنهم إختاروا الحرب، وأن عليهم، بالتالي، أن يتحمّلوا تبعاتها القاسية. وأنّ على الذين يختارون معسكر الشرعية أن يقوموا بإلتزاماتها تحت طائلة العقوبة لمَن تخلّف أو تهاوَن.

رأينا أنّ أميركا لن تسمح بتحديد مفهوم للإرهاب. بل هي ستعمد، كما تفعل منذ الآن وعلى خطى إسرائيل، إلى توسيع مفهوم الإرهاب وتعميمه، بحيث يشمل جميع المعترضين على العولمة والسياسات الأميركية - الإسرائيلية، على إعتبار أنهم إرهابيون محتمَلون تقضي الشروط الأميركية بوضعهم في قفص الإتّهام الدائم، مع التضييق المستمرّ عليهم، ومكافحتهم المسبَقة كإجراء إحترازي لمنع إستفحال شرّهم. بهذا المفهوم تصبح الثلاثة آلاف منظّمة شعبية التي دوّى صوتها في جنوب إفريقيا مؤخّراً، ويصبح جميع المعترضين والمقاومين، من سياتل إلى نيويورك إلى بورتو أليغري...إلى جِنُوى، موضوع إتّهام، ومراقبة، ومكافحة. هذا يعني أنّ كثرة الشعوب، بأكثرية مواطنيها، ستكون في هذا الموقع المستهدَف. لكنّ هذا ،طبعاً، لن يطاول الدول الغربية، في المرحلة الأُولى على الأقلّ، مع أنّ قطاعات واسعة من الشعوب الغربية تعترض على العولمة و على السياسات الإمبريالية وتنضمّ إلى صفوف الأممية الجديدة المتكوّنة.

في الصعيد العملي والأمني، ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن تكون أميركا قادرة في كلّ لحظة على أن تدفع الدول، بموجب إلتزامها بمشروع مكافحة الإرهاب العتيد، إلى ممارسة العنف على شعوبها على أوسع نطاق، ما يؤدّي حكماً إلى التصادم وإلى تعميق الهوّة وإنعدام الثقة بين الدول وشعوبها، وإلى تهديد الإستقرار وقمع الحريات. فيكون العنف إنتقل بالفعل إلى الآخرين الذين تحكم عليهم أميركا بذلك.

لكنّ هذا السيناريو المحتمَل لا يقف عند هذه الحدود. فهو، على غرار السيناريو الإسرائيلي السابق والأسبق، يطلب من الدول الشيء وضدّه. يطلب منها أن تقمع شعوبها، ثُمّ يطالبها بإحترام الحرّيات وحقوق الإنسان. وهو يعهد إلى شبكاته الإعلامية في الخارج بشنّ حملات تشهيرية بهذه الدول، وقد يعاقبها هو مباشرةً، بحجة أنها تستخدم العنف على شعبها وتعتدي على الحرّيات والديمقراطية، إلى آخر المعزوفة التي صارت تمجُّها الأسماع. ولن يكون على أميركا أن تستنبط في ذلك شيئا، فهي تستطيع أن تحتذي إسرائيل التي تطلب من السلطة الفلسطينية ممارسة أقصى العنف على شعبها، ثم تشهّر بها في الإعلام والمحافل الدولية إذا هي فعلت شيئاً من ذلك. والجدير بالذكر، هنا، أنّ أميركا أدّت دائماً المسرحية نفسها في تعاملها مع الدول التي تريد أن تُبقي السيف مسلَطاً فوق رأسها، بما فيها الدول الكبرى في العالم، مثل الصين وروسيا.

ستكون الدول، المغضوب عليها أو المطلوب إخضاعها، بين مطلبين متناقضين: ممارسة العنف على شعوبها، وإحترام حقوق الإنسان. كما ستكون سنداناً بين مطرقتين: غضب شعوبها، والعقاب الأميركي.

قد تنجح أميركا نجاحاً باهراً في تنفيذ كامل هذا المشروع، الإسرائيليّ المنشأ والمآل، لـ"مكافحة الإرهاب". لكنّ السؤال يبقى عالقاً: هل ستكون أميركا أكثر أماناً أم أقلّ أماناً في نتيجة مضيّها في هذا المشروع ونجاحها فيه؟ وبالنسبة إلى العالم، ما هي مفاعيل هذا المشروع الأميركي - الإسرائيلي على حياة الشعوب، ومصير الدول، والأمن الدولي، وأمن الإنسانية الحضاري والفيزيائي؟ الصورة قاتمة وخطيرة جدّاً في الوضعين.

أوّلاً: قلنا، في مطلع هذا الفصل، إن عقيدة "صدام الحضارات"، أو عقليتها الُخلُقية، تعود إلى عصور الحروب الدينية. وهي قد تعود بالعالم كله إلى تلك العصور الرهيبة، إذا اعتمدتها أميركا في الردّ على الإعتداءات عليها. فالردّ الأميركي، في ضوء هذه العقيدة وبدوافعها وخلفياتها، سيُسفِر عن نشرها وتعميمها، بالعدوى والإستفزاز، فيُدخل العالم في حلقة مفرَغة من الفعل وردود الفعل، محكومة بهذه العقيدة. وقد بيّنّا، في مطلع هذا الفصل، كيف أنّ الإنسانية إستطاعت، في الماضي، أن تخرج بسلامة من الحروب الدينية وفظاعاتها، لأسباب موضوعية تتعلّق بعصورها. وكيف أنّ الإنسانية لن تستطيع أن تخرج من الحروب الدينية بسلامة في القرن الحادي والعشرين، لأسباب موضوعية أيضاً تتعلّق بواقع العالم المعاصر وقدراته الجديدة: تداخُل حياة الشعوب، تكنولوجيات السرعة، ثورة الوسائل بما فيها أسلحة الدمار الشامل وإنتشارها على مستوى الجماعات والأفراد. لذلك نقول، جواباً عن السؤال الأساس، إنّ العالم سيكون أقلّ أماناً منه في أيّ وقت مضى في التاريخ، وإنّ أميركا لن تكون إلاّ جزءاً من هذا العالم المهدّد في وجوده، إن لم نقل الجزء الأوّل المهدّد. ثانياً: إنّ الردّ الأميركي بمشروع "مكافحة الإرهاب" بالصيغة الإسرائيلية الأصل التي تعتمدها أميركا، من شأنه أن يعمّم العنف بين الدول ذات المواقف المتباينة من المشروع وذات المصالح المتضاربة بفعل أحكامه. كذلك سيعمّم العنف في داخل المجتمعات وفي ما بين الدول ومجتمعاتها، كما قصدت إسرائيل منه في الأصل حين أرادت فرضه على الدول العربية، وكما إعتمدته في فلسطين حتى الساعة. وجواباً عن السؤال الأساس نقول: إن عالماً يسوده العنف والغضب، من جهة أولى، وتحكمه العولمة وإعتدائيتها المباشرة على الشعوب، من جهة ثانية، هو عالم يهدّد أميركا في المقام الأوّل، بحكم موقعها على رأس النظام العالمي الجديد وسياساتها فيه، أي بحكم مسؤوليتها الأولى، في نظر الكثيرين، عن شروره. بذلك تسجّل أميركا "نجاحاً باهراً"، إذ هي تستطيع، بردّ واحد من جهتها، أن تستدعي ردوداً عليها تكون بعدد الذين طاولهم ردّها. ثالثاً وأخيراً: مشروع "مكافحة الإرهاب"، بصيغته الحربية الأميركية - الإسرائيلية المعتمَدة، يُصرّ على حصر تعامله مع الدول. والردّ الأميركي سيؤكد هذا الإصرار، على الأرجح. فات أميركا أن تلاحظ وتفهم ظاهرة دخول الشعوب إلى المسرح العالمي. وفاتها أن تلاحظ وتفهم أنّ الشعوب أصبحت هي اللاّعب الأمني الأوّل على هذا المسرح. وفاتها، قبل ذلك، أن تعرف أنّ مشروعها العَولمي الذي أضعف الدول ودخل عنوةً على الشعوب، من تحت أنف حكوماتها، أسهم الإسهام الأكبر في خروج المجتمعات إلى المسرح العالمي من الباب الأمنيّ بعد أن أُوْصد الباب السياسي في وجهها وظلّ منكراً عليها حتى الساعة، من "سياتل" إلى "جِنُوى"، مروراً بكل التظاهرات السياسية التي قمعتها سلطات العولمة واحتقرتها وشهّرت بها وكافحتها بالعنف. فات أميركا، وهي مصرّة على التعامل الحصريّ مع الدول في مشروعها الحربي لـ"مكافحة الإرهاب"، أنها أخطأت حربها. وهي، في الواقع أخطأت سلمها وهي تكافح "سياتل" و"براغ" و"بورتو ألّيغري" و"جِنُوى" و"نيويورك" من قَبْل، وما تمثّله هذه الرموز وتعبّر عنه. وقبل هذا كله، وفي أثناءه وبَعده، فات أميركا أن تدرك أنّ العالم المعاصر لا يتحمّل هذا الخطأ، من الناحية الأمنية على الأقلّ. وأن ليس من حقّ الدولة العظمى أن تخطئ في ما يهدّد أمن العالم، وأمن أميركا على رأسه.

عرضنا، في السابق، لبعض ما قاله كبار المسؤولين الأميركيين في أخطار الإرهاب بأسلحة الدمار الشامل، وما وضعته المؤسّسات العليا من تشريعات مختصّة بهذا الموضوع ولبعض ما اتّخذته السلطات من إجراءات ولما أثبته الخبراء والباحثون. كلّها يؤكِّد وجود الخطر، وتزايده، وكارثية نتائجه المحتملة.

ثُمّ تناولنا السياسات الأميركية، لا سيّما الخارجية والدفاعية والإعلامية المختصّة بمواجهة هذه الأخطار أو الموضوعة والمعتمَدة بحجة هذه المواجهة، فوجدنا أنها تزيد في إحتمالات هذه الأخطار وفي حدّتها بدلاً من أن تُنقِص منها أو تُخفّفها.

وهي كلّها تلتقي، من منطلقات مختلفة، على عدم استبعاد كارثة أمنية تحلّ بالمجتمع الأميركي في أيّ لحظة كان، قد يذهب ضحيتها عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من المواطنين الأميركيين الأبرياء. تفاجئهم في بيوتهم أو مراكز عملهم أو مدارسهم أو في الطريق. بعض هؤلاء الخبراء يعرف، بحكم مسؤوليته وتجربته، عن عدد من العمليات التي لم تنجح حتى الآن بعامل الصدفة، التي قد لا تتكرّر، أو لعلّة بعض النواقص أو العقبات الطارئة التي كان يمكن تذليلها أو قد يمكن تذليلها في المستقبل. هذا يعني أنّ حصول الكارثة موقوف على نجاح عملية واحدة فقط من المحاولات القائمة والمتزايدة بحسب تقدير الخبراء. حتى إذا نجحت العملية الأُولى، أصبحت سابقة تشجّع الآخرين على إتيان مثلها. مع العلم أنّ تجارب الماضي تدلّ على أنّ العمليات تتلاحق وتتصاعد، عادةَ، بعد نجاح العملية الأُولى. تذهب السلطات الأميركية إلى أبعد من ذلك. فهي تُجري مناورات تتصدّى بها لعمليات إرهابية إفتراضية في المدن الأميركية لتختبر فعاليّة أجهزتها الدفاعية، ولتكتشف نقاط القوة والضعف فيها، ولتتمكّن من تقدير حجم الأضرار ونوعها ومجمل المفاعيل المترتّبة على العملية، ولتنتهي إلى تقدير مستوى الخطر الفعلي ونسبة جهوزيتها في مواجهته لتوفير أمن المجتمع الأميركي. وتيرة هذه المناورات تصاعدت في الفترة الأخيرة، وصار يتمّ الإعلان عنها في حينها، بينما كانت متباعدة في الماضي ولا يُعلَن عنها إلاّ بعد وقت طويل أو لا يُعلن عنها أبداً.

وقد اعتمدت كل مناورة سيناريو كاملاً كان رجال الأمن والإختصاص يُعدّونه بعناية فائقة إستناداً إلى خبرة طويلة وإحصاءات وتحليلات جماعية وإلى جهد كبير في تخيُّل الإحتمالات والمشاهد يسابقون به خيال الإرهابيين الواسع الخلاّق، بحسب إعترافهم.

إننا نقدّم، في الفصل اللاحق، مشهداً إفتراضياً لكارثة من هذا النوع، تقع في إحدى المدن الأميركية. مع العلم أنّ هذا المشهد سَبَقَنا إليه بعض الخبراء الذين قدّموا سيناريوهات حيّة عن إحتمالات كارثية مختلفة في هذا الموضوع. من هؤلاء، المسؤولة والباحثة الأميركية جيسّيكا شتيرن.

جيسّيكا شتيرن، الخبيرة في هذا الموضوع والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي والمديرة السابقة لإحدى الدوائر الأمنية العليا، تستهلّ كتابها عن الإرهاب الجديد بما يأتي: "ماذا يكون إذا فجّر الإرهابيون قنبلة نووية من صنع محلّي في "إمباير ستايت بيلدينغ" في مدينة نيويورك؟" ثُمّ تعرض مشهد العملية المُحتَمَلة وبعض ملابساتها ومفاعيلها المأسوية. وتحرص الكاتبة على أن تُذكِّر بأنّ حجم السلاح المستخدَم صغير جداً بمعيار القوة العظمى. ومع ذلك، تبدو الصورة التي تُقدّمها مخيفة ومقزّزة للنفس نظراً لما يصيب الهدف المباشَر أو الجوار المباشَر في اللحظات الأولى؛ ولإحتمال التمدّد الجغرافي لدائرة الأضرار والأخطار وتزايُد عدد الضحايا؛ وللخسائر المالية المباشَرة التي قد تبلغ ثلث ميزانية الدفاع الأميركية؛ وللآثار الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في الحياة الأميركية في خلال الأيام الأُولى وفي المدَيَيْن المتوسّط والبعيد. هذا فضلاً عمّا قد ينتج عن الضربة من ردود فعل مؤذية، وغير مبرَّرة، وقد لا يمكن السيطرة عليها. وتحرص الباحثة على التأكيد أنّ هذا السيناريو الإفتراضي الفظيع لا يصدر عن قصة خيالية وهمية، بل عن إحتمالات حقيقية يعيش الخبراء والمسؤولون الأمنيون مع واقعها اليومي وهم في سباق مع تطوّراتها السريعة. ثُمّ تستكمل المشهد الخارجي وما يشتمل عليه من الضحايا والأضرار بالمشهد الداخلي وما يتجلّى فيه من أبعاد إنسانية حيث تغتلي الإرتيابات ومشاعر الذعر والقرف وجموحات المخيّلة، ويختلط فيها الحقيقي بالوهمي، وتستيقظ معها مواقف البشرية تجاه المجهول أو الغامض وغير المرئي وتجاه القدَر والقوى الفائقة التي "لا قدرة للإنسان على مواجهتها ولا حيلة له للفرار منها".

ونحن مع هذا المشهد ومع السيناريوهات والمشاهد التي قدّمها مؤلفون آخرون عن الكارثة المحتمَـلة، تكشّفتْ لنا أبعاد إنسانية حارّة لم تستطع أن تنقلها إلينا الدراسات الرقمية الباردة. الأفكار والإحصاءات والتحليلات تبقى قاصرة عن الدخول إلى عالم الفجيعة التي هي حدث داخلي يقطع وتيرة الأحداث الخارجية، ومشهد داخلي مسكون بالأسئلة الوجودية المقلقة لا بالأجوبة الجاهزة التي تحكم، إلى حد بعيد، مجرى حياتنا اليومية. الكوارث الكبرى في تاريخ البشرية لم تحفظها الإجتهادات الذهنية بل الذاكرة المشهدية والأسئلة المتجدّدة التي تعيد طرحها. بومبايي، بيرل هاربر، هيروشيما، محارق النازية، محرقة فلسطين، محرقة العراق، ليست معادلات رقمية أو أحداثاً خارجية تطويها أحداث لاحقة أقلّ شأناً أو يستهلكها الإبتذال، بل هي أحداث داخلية علاّمة وأسئلة متجدّدة في وجدان الإنسانية.

الكارثة المحتمَلة التي نحن في صددها قد تتخطّى الكوارث السابقة جميعاً. مفاعيلها المباشرة وأبعادها الكونية الممكنة لا سابقات لها بالتأكيد. المجتمعات، هي، لا الدول، أطرافها الأساسية المحتمَلة، في الجانب الأضعف على الأقلّ. هذه المجتمعات هي ضحيتها الأساسية الأكيدة، في الجانبين. شريعتها: تعسُّفية الوسائل المتقدّمة (ثورة الوسائل، الهائلة بما فيها أسلحة الدمار الشامل، وتكنولوجيات السرعة) من جهة أُولى، وإنحطاط الإنسان وإبتذاله، من جهة ثانية. من هنا أنها نوع مأسوي جديد سببه القدرة لا العجز. القدرة الجديدة على القضاء على الحياة البشرية وربما على الحياة بعامّة في كوكبنا، تجاوزت التراجيديا الإنسانية السابقة التي كانت شعوراً بالعجز. العجز عن إصلاح الوضع الإجتماعي ومشكلاته (مغالبة الفقر والجهل والظلم وغيرها) كما في التراجيديا الإجتماعية. أو العجز عن تغيير الوضع الإنساني وتخطي معضلاته (كإمتلاك الحياة الأبدية بإكتساب الخلود) كما عند جلقامش وفي التراجيديا اليونانية من بعده. التراجيديا الجديدة هي قدرة الإنسان على مغالبة الحياة، لا على مغالبة الموت.

لكنّ تعسّفية الوسيلة، في التراجيديا الجديدة، هي من تعسّفية وجهة إستخدامها التي يقرّرها الإنسان، بسياساته. هي، إذاً، تعسّفية سياسية، أي تعسّفية الموقع الجامع وسلطة القرار. ومركز القرار السياسي، هنا، هو على حالة خطيرة من الخلل في العلاقة النسبية بين قدراته الجديدة، المتقدّمة من دون حدود، وبين محرّضاته وضوابطه الخُلُقيّة المتخلفة المتقلّصة إلى أضيق الحدود. من هنا أنّ الإنسانية هي، الآن، في مأزق، وأنّ مأزقها يعود إلى أزمة حضارية. دورة الإمبراطوريات، المتخلّفة، أصبحت خطراً أعظم يهدّد الوجود.

يجب مواجهة النظام العالمي الراهن والتخلّص منه لأكثر بكثير من عملية تحسين الحياة وتجميلها: للحافظ على الحياة نفسها. أيّ للحفاظ على حقّ الجميع في الحياة، لا لإقامة ميزان العدل و إنصاف المظلومين. فالخطر يتخطّى، ببعيد، شؤون الإضطّهاد والظلم، وشؤون السيطرة والإستغلال لفئة من البشرية، ولو كانت هذه الفئة أكثرية البشرية. الخطر يتعدّى بؤس الأكثرية ويهدّد الكلّ. إنه يُؤسّس لمأسوية من نوع جديد: التدمير الكلّيّ، وتدمير الذات. هي مأسوية العدم، تتخطّى كل المأسويات السابقة.

[1في العقود الأخيرة، كان الشريك الإسرائيلي/اللوبي الصهيوني دائم الحضور، إن لم يكن دائم السيطرة، في السياسات الأميركية الخارجية بعامّة، والسياسات المتعلقة بالشرق الأوسط بخاصّة. نسوق هذا التوضيح منعاً لكل التباس. فالكلام عن تفرّد السياسات الأميركية، لا يعني غياب الشريك الدائم الإسرائيلي أو الصهيوني.

[2إنها واقعة غريبة وفريدة في التاريخ، أن تضع الدولة العظمى في العالم استراتيجياتها الخارجية والأمنية للمستقبل وتقرّرها في يومين يعمل فيها الرئيس الأميركي على مداد الساعة في إسرائيل لا في أميركا، ومع السلطات والمؤسسات الإسرائيلية، لا مع السلطات والمؤسسات الأميركية.