الفصل الثالث

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2006

III الرعب الأميركي "الآخر" يدخل عنوةً على أميركا

ماذا يكون إذا حصلت عملية إرهابية بالأسلحة البيولوجية في إحدى المدن الأميركية؟ كيف يكون المشهد، والوقع، والأثر، وردود الفعل، والتطوّرات، والحصيلة الأخيرة، والعواقب، والإتجاهات المستقبلية؟ لا أحد يستطيع أن يجزم في كل هذه الأمور أو في واحد منها، ولا أن يستنفد ملابساتها وتطوّراتها. لن تكون هذه الأمور، أصلاّ، على وجه واحد. على سبيل المثال، ستتنوّع وتتضارب ردود الفعل على العملية، وقد تتبدّل مع التطوّرات بين يوم ويوم. وقد تحدث مفاجآت لم يتوقّعها أحد. لذلك آثرنا إن نلتزم بحدود الأدبيات التي صدرت في الموضوع، ننقل كلام النخبة المؤسساتية الأميركية، فنرجّح ما اتّفقت عليه ونعرض لبعض ما اختلفت فيه. ثُمّ نحاول أن نجمع الكلّ في سياق واحد لتقديم صورة متكاملة عن نوعية الخطر، ومأسويته، وإحتمالات تطوُّره وتفاعله أميركياً وعالمياً، إنطلاقاً من مشهد كارثي في إحدى المدن الأميركية.

إذا حصلت عملية إرهابية بالسلاح البيولوجي، فستكون مختلفة في كل شيء تقريباً عن سابقاتها التقليديات. العمليات الإرهابية بالأسلحة التقليدية تحصل، عادةً، بالمشهد والصوت، وفي مكان محدّد. قنبلة أو سيارة مفخّخة تنفجران، أو طائرة مخطوفة يشاهد ركّابُها الخاطفين ويسمعونهم ويتابعون حركتهم ويعاينون التطوّرات. وهي عمليات تُقدِّم للمَُشاهِد التلفزيوني مناظر عن مكان وقوع العملية أو مكان تطوّر أحداثها. شهودها هم أول مَن يعرف بها ويرى ويسمع آثارها الحسّية الأُولى ، وقد يرون ضحاياها ومُصابيها فضلاً عن الناجين منها والشهود الآخرين. إنها عمليات ناطقة ومشهدية، صارخة في الغالب، تبحث عن مشاهدين. قد تسعى إلى زيادة عدد المشاهدين والتأثير فيهم أكثر مما تستهدف زيادة عدد ضحاياها. [1]. وهي تدلّ على موقعها، وتُخلّف آثارها وضحاياها ومُصابيها في مكانها وزمانها. وغالباً ما يتحدّد، في اللحظات الأُولى، حجم مخلَّفاتها، ثم تتحدّد ردود الفعل عليها وتتبيّن كيفية التعامل المباشر معها ومع مخلّفاتها إستناداً إلى خبرة تقليدية طويلة مع هذا النوع من العمليات. [2]

العمليات الإرهابية البيولوجية مختلفة تماماً. لا ينطبق عليها أيٌّ كان من هذه الأوصاف. إنها قاتل صامت وخفيّ [3]. ، تأتي جريمته على مثاله، لا صوت لها ولا صورة، ولا شهود عليها في مكانٍ وزمانٍ معيّنين. مخلّفاتها لا يمكن تقديرها فوراّ. ردود الفعل عليها لا يمكن التنبّوء أو التحكّم بها. ضحاياها ومصابوها الواقعيون يظهرون تباعاً بعدد لا يمكن تحديده إلاّ مع مرور الزمن [4] ، بينما تكون أعداد مضاعفة من المصابين المحتمَلين تعيش على رعب الشك. [5] وقد تكون مفاعيل الرعب، الفورية والبعيدة، أخطر من مفاعيل السلاح في ذاتها. [6]

فضلاً عن أن الرعب يضاعف، بشكل غير محدود، مفاعيل السلاح التي هي، في الأساس، هائلة. ذلك بأنّ السلاح البيولوجي هو سلاح الرعب بقدْر ما هو سلاح السموم.

كثيرة هي خيارات الإرهابيين في مجالات استخدام السلاح البيولوجي. في الماء والهواء والطعام. في النبات والحيوان والإنسان. في الطريق والريف والمدينة. لكنّ أخطر الضربات بالسلاح البيولوجي وأبعدها أثراً هو ما استهدف المدن، لا سيما الحاضرات الكبرى. فالمدينة هدف سهل وعطوب [7] حول "المجتمع العطوب" أنظر الملحق الثالث يوفّر للإرهابيين سهولة الحركة وتعدّد الخيارات وتنوّعها.حول سهولة الحركة وتعدّد الخيارات [8] وهي شديدة التأثّر بفعالية السلاح البيولوجي سواءٌ من حيث سُرعة إنتشار الوباء فيها، أم عدد [9] أم حجم الأضرار والخسائر، أم مقدار الشلل الحياتي الذي تولّده الضربة، [10] ونوعيته. والمدينة شديدة التأثير في محيطها وفي المدن الأخرى الداخلة في شبكة علاقاتها المنتظمة. وهي، بالتالي، بؤرة مثالية لنقل الوباء إلى خارج نطاقها. وقبل كل ما تقدّم، تتميّز المدينة بظاهرتين غالبتين: قوة الحركة والتفاعل، وشدّة الإزدحام، وهما الشرطان الأوّلان لانتشار السموم واستبداد الرعب.

كان يوماً عادياً في حياة تلك المدينة الأميركية. لم يتميّز إلاّ بأنه يوم السُّوق الأُسبوعية فيها. تُبكر في القدوم إليها، من الريف والجوار، الشاحناتُ الصغيرة والمتوسّطة، تحمل الخضار والفاكهة إلى السوق وتبقى هناك حتى تبيع بضاعتها. وكان الشارع المخصّص للسوق، في ذلك الأسبوع، يقع بالقرب من وسط المدينة. فشهدت الشوارع المؤدّية إليه حركة مبكرة جداً لشاحنات التجّار والموزّعين والمزارعين ولشاحنات الزبائن وهم، في معظمهم، مطاعم وفنادق ومراكز تجارية ومستشفيات وموزّعون محلّيون، وغير ذلك من المؤسّسات وأصحاب المصالح. في ما عدا ذلك، كان يوماً عادياً بدأت نشاطاته النهارية عند الفجر مع سيارات القمامة وعمّالها، وجامعي البريد من صناديق البيوت والبنايات، وموزّعي الصحف على بعض المنازل والمكاتب، فضلاً عن بعض المبكرين في الذهاب إلى عملهم بسياراتهم أو المسرعين إلى محطات القطار أو إلى مواقف الباصات وسيارات النقل العامّ. ثم بدأت حركة السير تتكثّف بدءاً من مداخل المدينة مع سيل السيارات الوافدة إليها والمنصّبة فيها بعد أن أمضى أصحاب هذه السيارات وقتاً طويلاً على الطرقات الرئيسية والمداخل. هؤلاء الوافدون يومياً هم أضعاف المقيمين في المدينة. وسنةً بعد سنة، يتناقص عدد المقيمين ويزداد الإختناق على "المداخل" الصباحية و"المخارج" المسائية.

إختلطت في شوارع المدينة ومرائبها سياراتُ الوافدين مع سيارات المقيمين وسيارات النقل العامّ وباصات المدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها من المؤسّسات الرسمية والخاصّة. فكانت حركة النقل والإنتقال، من آليات ومشاة، هي مشهد المدينة الغالب في الصباح الباكر من ذلك اليوم. وكأنّ يداً كانت تحرِّك هذا المشهد.يد غير منظورة تلتقط الناس من بيوتهم مجتمعين،وتنقلهم، ثم تفصل بينهم فتوزّعهم وتنثرهم في المدينة فرادى متباعدين. وفرادى موزّعين في أرجاء المدينة يبدأ ناس المدينة حياتهم العملية في محيطهم النهاريّ، حيث يقوم كلٌّ منهم بنشاطه، وحيداً بين مَن هم حوله وبقربه، [11] وبعيداً عن أخصّائه من عائلته أو أحبّائه والأصدقاء.

عند الساعة التاسعة، تغيّر المشهد الغالب في المدينة بتغيُّر أنماط الحركة فيها. من حركة النقل والإنتقال الصباحية وإزدحام الشوارع بالسيارات، تبدّل المشهد إلى حركة الحياة النهارية وإزدحام المدينة بناسها. فاختلطت الحركة في الشوارع بالحركة في داخل الأبنية. في المكاتب التي يضمّ بعض أبنيتها مئات الموظّفين ويدخلها يومياً عشرات آلاف الزائرين. وفي محلاّت الأسواق التجارية والمجمّعات التجارية الكبرى التي يقصدها جميع أبناء المدينة. في المدارس والجامعات، وفي المصانع والمقاهي ومحلاّت الأكل والشرب ومطاعم الوجبات السريعة. فبدا أبناء المدينة، في هذه المفاصل، كتلاً بشرية متحرّكة، يضيق بها المكان على إتّساعه. لكنّها كتل يتلاصق أفرادها ولا يلتقون، [12] يتجاورون ولا يتعارفون. وبدت المدينة آلةً هائلة ومعقّدة وعلى تنوّع لامتناهٍ في متطلّباتها ووظائفها، تتّسع لملايين العاملين فيها، فيعرف كلّ واحد منهم عمله ومكانه فيه وحدود علاقته بالآلة وبمحيطها الوظيفي، فيستغني، بذلك، عن معرفته العاملين الآخرين بجواره وعن علاقته بالمحيط الإنساني الملتصق به والمتداخل مع حركة حياته النهارية. في ذلك الصباح، عَبَر أربعة ملايين شوارع المدينة التي اعتادوا أن يعبروها كل يوم، ووصل كلٌّ منهم إلى المكان الذي يقصده ويعرفه، ودخل إلى المحيط الأليف لحياته النهارية. ثُمّ باشر الجميع نشاطاتهم اليومية من دون أن يلاحظوا المشهد غير المألوف في شوارع مدينتهم وأمام البنايات التي دخلوها. أو أنّ بعـضهم لاحظ أمراً غير مألـوف من دون أن يستوقفه ذلـك ويتساءل فيه، على إعتبار أنه لا يعنيه. [13] في الواقع، كانت سيارات الإسعاف على حركة غير عادية وصفّاراتها تملأ أجواء المدينة. وكان رجال الأمن قد انتشروا، منذ الصباح الباكر، في جميع الشوارع بينما كانت سياراتهم تربض على مداخلها مع سيارات الإسعاف. وكان وجودهم كثيفاً قدّام البنايات الكبيرة ومراكز المؤسّسات الكبرى، يرقبون الداخلين من دون تدخّل معهم، ويتهامسون في ما بينهم، بينما كان بعض ضبّاطهم يقف جانباً وهو منهمك بالمخابرة على اللاّسلكي، وعلامات الإرتباك بادية على الوجوه. وفجأةً تحرّكت جميع العناصر الأمنية، ما يدلّ على أنّ قراراّ مركزياً صدر وعُمِّم عليهم، فدخل بعضهم المباني فيما بدأ آخرون يسائلون الداخلين ويدقّقون في هوِيّاتهم. هذه التدابير الغامضة وغير المألوفة، بل غير المسبوق إلى مثلها، تزامنت في جميع الشوارع وشملت كلّ المدينة. في الدقائق الأُولى، إستقبل المواطنون الأميركيون ذلك بالدهشة. وبدأت تظهر، على مداخل البنايات، صفوف طويلة من الذين ينتظرون دورهم للدخول، وهم على بلبلة وإضطراب. لم يستطع أحد منهم أن يفهم أو أن يقدِّر سبب هذا التدبير الغريب أو أن يستشفّ شيئاً من رجال الأمن، لا سيّما أنّ هؤلاء إكتفوا بسؤال الداخلين إذا كانوا من العاملين في البناية أم من الزائرين، ولم يعترضوا على دخول أحد. لكنّهم منعوا الذين في داخل البنايات من الخروج منها. لذلك فوجىء الداخلون إلى هذه البنايات بالجوّ المحموم والصاخب في داخلها خصوصاً بالقرب من المخارج حيث ازدحم الناس وأخذوا يجادلون رجال الأمن الذين منعوهم من الخروج. أمّا الآخرون في الممرّات والغرف فكانوا، في معظمهم، إلى هواتفهم الخلوية، والإنقباض على وجوههم. وقد اكتشفوا أنّ التدابير التي يعانونها قد شملت المدينة بكاملها. وأنّ أهلهم وأبناءهم وأصدقاءهم هم أيضاً مجمَّدون، كلُّ في مكانه.

أمّا الذين كانوا في الخارج، فقد ظلّوا على حرية الحركة والإنتقال. لكنّ معظمهم وقفوا يراقبون ما يجري. وقد أُتيح لهم أن يشاهدوا التطوّرات السريعة في الشوارع ووصول تعزيزات أمنية كبيرة ترافقها سيارات الإسعاف التقليدية وسيارات وشاحنات بيضاء متميّزة بشكلها الخارجي وبتجهيزاتها ولباس رجالها وغطاءات رؤوسهم وكمّاماتهم، ما يدلّ على أنها فريق طوارئ خاصّ لمهمّات إستثنائية لم يعرف أحد طبيعتها. كان واضحاً أنّ الإمرة كانت لهذا الفريق الجديد الذي بادر، فور وصوله، إلى إعادة توزيع القوى الأمنية والإسعافية وبدأ يوزّع الكمّامات على عناصرها التي بدت مضطربة ومتردّدة. وفيما كان الناس مندهشين ومتهيّبين يراقبون ما يجري، بدأت مكبّرات الصوت في كلّ المدينة تذيع أنّ أمراً خطيراً حصل وأنّ السلطات ستُعلنه في خلال لحظات بوسائل الإعلام.

من قَبْل هذا الإعلان، كان معظم الناس قد لجأوا إلى شاشات التلفزيون ووسائل الإعلام الأُخرى آملين أن تفيدهم عمّا يحصل، فوجدوا أنها قطعت برامجها في إنتظار إعلان النبأ. وفي خلال دقائق، عرف أبناء المدينة والأميركيون جميعاً أنّ عملية إرهابية بالسلاح البيولوجي قد حصلت. وفهموا أنّ المستشفيات والمختبرات هي أوّل مَن عرف بها، أي قبل أن يعرف بها ضحاياها في ذاتهم. وأنّ العملية حصلت قبل أيام على الأرجح، ولم تظهر أعراض الوباء إلاّ في اللاّحق، وقد التبست على السلطات الصحية التي لم تتأكّد من حقيقتها قبل فجر ذلك اليوم. [14] وقد تعاملت معها المؤسّسات والأجهزة المختصّة قبل أن تقرّر السلطات السياسية العليا في البلاد إعلان الخبر المشؤوم.

كان إرتباك السلطة واضحاً في صيغة هذا الإعلان وإقتضابه. وكان معظم الأميركيين مسمّرين أمام شاشات التلفزيون، مصعوقين أمام ما سمعوه وما بدأوا يشاهدونه، ومعهم العالم كلّه بدأ يسمع ويشاهد. ولم تكن وسائل الإعلام، في الدقائق الأُولى بعد الإعلان، أقلّ إرتباكاً من السلطات. بدت متردّدة، ، كأنها غير متأكِّدة من صلاحيتها لزيادة شيء على كلام المسؤولين. لكنّها ما لبثت أن انخرطت في الحدث وانصرفت كلّياً إليه بعد أن استنفرت، على الهواء، كل عناصرها والعاملين معها، وطلبت منهم الإلتحاق فوراً بعملهم أو الإتّصال بالإدارة إذا تعذّر إنتقالهم. وأعلنت جميعها أنها وحّدت برنامج إذاعتها للأنباء والتعليمات التي تصدر عن السلطة أو عن الجهات المختصّة، وأنها توزّعت وتقاسمت الأدوار في ما بينها وبالتنسيق مع السلطات السياسية والإدارات الحكومية في ما يتعلّق بالتغطية الإعلامية العامّة.

لكنّ هذا الإعلام، بالرغم من قدراته البشرية والتكنولوجية العظيمة، وجد نفسه عاجزاً ومسبوقاً أمام هذا الكمّ الهائل من المادّة الإعلامية المتدفّقة عليه، والتسارع في التطورات، وصعوبة تعيين الأوليات. لأول مرة يشعر الإعلام بأنه محكوم بمادّته لا متحكّم بها. وبأنه أمام مسؤوليات مهنية ووطنية وإنسانية لم يعرفها من قبل تجاه المواطنين والدولة والعالم. تحوّلت وسائل الإعلام إلى مقرّ قيادة وإلى غرف عمليات مركزية وميدانية. منها تصدر الأخبار والمشاهد والإستدعاءات والتعليمات والإرشادات والمعلومات الضرورية والملحّة: كلّ ما يقتضي إبلاغه إلى المواطنين والجهات المعنية، وكل ما توافر للسلطات مما يريد المواطنون معرفته ويحتاجون إليه.

الضحايا بالمئات، والمصابون المحتملون بالآلاف. هذه الأرقام الأوّلية المرعبة هي، في نظر الخبراء، متواضعة نسبياً، وقد ألِفوا التعامل النظري مع أرقام مقدّرة بعشرات الألُوف ومئات الألوف من الضحايا والمصابين بأسلحة الدمار الشامل (النووية والكيميائية والبيولوجية). [15] من هنا، أن السلطات حرصت على أن تؤكّد، مع إذاعة النبأ، أن العملية هي بسلاح بيولوجي معتدل وبكمية متوسّطة في تقدير الخبراء الأوّليّ.

تتوالى التحليلات عن نوع السلاح البيولوجي [16] وكميته المقدَّرة والإحتمالات المرجَّحة في ما يتعلّق بملابسات المكان والزمان والوسيلة التي اعتمدها الإرهابيون.

لم يفُت السلطات أن تحذّر من أخطار الرعب حول أخطار الرعب [17] التي قد تفوق أخطار السلاح البيولوجي في ذاته، وأن تدعو المواطنين، لا سيّما سكان المدينة المصابة والعاملين فيها، إلى التصرّف بعقلانية، والتعامل مع الوضع الصعب بأعصاب قوية، ومراقبة الحالة والتطوّرات بحذر، والتقيُّد الكامل بالتعليمات.

إذاعة النبأ تتكرّر في الساعات الأولى، وتُعلَن كل معلومة جديدة عن نوعية العملية وملابساتها، ومفاعيل السلاح البيولوجي المستخدَم فيها، والأعراض الأُولى والمتطوّرة في المصابين الفعليين، والمؤشرات الأُولى في المصابين المحتملين. [18]

لكنّ السلطات تعود فتُنَبِّه إلى أنّ أعراض الإصابة قد تأتي متشابهة مع أعراض بعض الأمراض البسيطة المنتشرة بالعادة، مع أنّ هذا الأمر يضاعف عدد المشكّكين المرعوبين ويعمّم الرعب في محيطهم من إحتمالات العدوى. وقد يؤدّي إلى ردود فعل مبالَغ فيها كمحاولات الهرب أو التهافت غير المبرَّر إلى مراكز الإسعاف التي تعجّ بالمصابين، ما قد يزيد من إنتشار العدوى وإرباك السلطات وفِرَق الإنقاذ ويجعل السيطرة على الوضع مهمّة بالغة الصعوبة، حتى لا نقول مستحيلة.

يتكرّر الإعلان عن مراكز الإتّصال للإسعاف أو للإرشاد، في الأحياء المختلفة. منها ما يختصّ بالضحايا والمصابين. ومنها ما يتعلّق بالخدمات الممكنة للمدارس والأطفال والعجزة أو لغيرهم من الحالات الخاصّة.

تتلاحق المشاهد عن حركة الإسعافات والمستشفيات والخدمات الطبية الأُخرى، [19] وعن الضحايا والمصابين مع ذكر عددهم من دون الأسماء، وعن عمليات الإنقاذ والتدخُّل الفوري أو السريع، والإجراءات الأمنية الميدانية.

تتكرّر أيضاً النداءات لعناصر الفِرَق المختصّة وللخبراء والمتطوّعين المدرَّبين، تدعوهم إلى الإلتحاق بوحداتهم أو بمراكزهم مع التذكير بقواعد الوقاية، الأولية، ومع تعيين الحالات ذات الأولية في تلقّي الإسعاف أو الخدمة.

وأخيراً، صدرت التعليمات الرسمية الأولى، تتضمّن: التحذير من أخطار الذعر [20]لأنه قد يدفع إلى أعمال طائشة تعرّض أصحابها والآخرين للعدوى، وتُربك المجتمع والسلطات، وتزيد في صعوبات الوضع أو قد تؤدّي إلى خروجه على السيطرة وتجعل مواجهته مستحيلة. فضلاً عن أنّ إنتشار الذعر هو تنفيذ هدف الإرهابيين؛ التذكير بأعراض الوباء والتبسُط في ذلك. وقد ظهر على الشاشة أخصّائيون أخذوا يشرحون تفاصيل الأعراض وتطوّراتها، وملابسات أوضاع المصابين المحتملين [21] وكيفية مراقبتهم لتمييز الأعراض الظاهرة عندهم عن أعراض الأمراض العادية، الشبيهة بها؛

التعليمات الموجّهة إلى من ظهرت عندهم كلّ أعراض الوباء وتأكّدوا من أنهم مصابون، ودعوتهم إلى الثقة بالعلاج والتصرّف بعقلانية، مع تكرار التحذير من الإستسلام للذعر والقيام بأعمال طائشة من شأنها أن تقضي عليهم حكماً؛

التعليمات المختصّة بالوقاية الأوّلية لمن هم في محيط المصابين الفعليين والمصابين المحتملين ، والتحذير من الإقتراب منهم وملامستهم وملامسة الأشياء التي استخدموها، لا سيّما إذا كان هؤلاء المصابون قد وصلوا إلى حالة متقدّمة. وصَدَر توجّه خاصّ، في هذا الشأن، إلى العائلات التي أُصيب أحد أفرادها يؤكّد لها أنّ الإستسلام للعاطفة تجاه المصاب ومخالفة قواعد الوقاية في التعامل معه، قد يعرّضان العائلة بكاملها للعدوى من دون أن يُجدي المصاب فائدةً؛ وتنتهي هذه التعليمات الأُولى إلى قواعد سلوك أساسية تتلخّص بمبدأين: تجنُّب حركة الإنتقال في المدينة، وتجنُّب الإزدحام وكلّ ما هو إحتكاك جسدي بالآخرين وبالمحيط.

هذه عيّنات من المسؤوليات والمهمّات الفورية في المدينة المصابة وولايتها التي ترتّبت في الساعات الأولى على وسائل الإعلام، المرئية - المسموعة منها في شكل خاص. يضاف إلى ذلك نداءات وإرشادات وتعليمات موجّهة خصوصاً إلى الولايات المجاورة أو إلى جميع الولايات. وفي الساعة الأخيرة كانت جميع المحطات الأميركية تقطع نشراتها، كلّ خمس دقائق، لتُعلن أن الرئيس سيوجّه كلمة إلى الشعب الأميركي وإلى العالم. يمكن التأكيد أنّ مئات الملايين في العالم كانوا يتابعون، على المحطات العالمية والمحلية، الحدث الأميركي وتطوّراته، وينتظرون كلمة الرئيس الأميركي. وحين توقّفت النشرات الأميركية كلياً لتبثّ كلمة الرئيس، كانت جميع الشاشات في العالم موصولة بالشاشة الأميركية.

كلمة الرئيس الأميركي، يوجّهها إلى الشعب الأميركي.

 [22] يعزّي الشعب، ويخصّ الولاية والمدينة وعائلات الضحايا، فالمصابين، بكلمات مؤثّرة. يمتدح تلبية الشعب الأميركي يمتدح ويشكر فِرَق التدخّل الفوري وفِرَق الإسعاف وكل المؤسسات العاملة وعناصرها. يشجّع الشعب الأميركي: يؤكّد إيمانه بالقيم العليا وبفضائل الحياة الأميركية يؤكّد إيمانه برسالة أميركا وبشجاعة الشعب الأميركي وقدرته على مواجهة كلّ الأخطار وعلى تجاوز المحن الكبرى. يؤكّد أنّ أميركا هي رمز الدولة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي، وعليهما، الدولة والمجتمع، أن يواجها هذا النوع من الأخطار التي تستهدف تغيير سياساته وأنماط حياته بواسطة العنف، وبناءً عليه يتوجّب على أميركا ألاّ تسمح لأعدائها بتحقيق هذا الهدف. من هنا حرص الدولة الأميركية على أن تتصرّف بمنتهى [23] والمسؤولية والعدل ومقتضيات القانون مع الحزم والشجاعة في اتخاذ القرارات الصعبة والخطوات الحاسمة بما يـحفظ أمـن المجتـمع الأميركـي ووحدته [24]، والهيبة [25] والمـكانة الأميركيتين. يدعو الشعب الأميركي إلى الثقة بسلطاته، وبرسوخ المؤسّسات وفاعليتها وعدالة أحكامها. يَعِد ويتوعّد: يَعِد الشعب الأميركي بأن قِيَمه العليا1و2و3 وأنماط حياته وحرياته وحقوقه ستبقى مصونة، [26] وبأن الدولة الأميركية ستحافظ على دورها القيادي في العالم وستتحمّل مسؤوليات هذا الدور.

ويَعِد العالم المتمدّن بأن أميركا ستحافظ على رسالتها وتحمُّل مسؤولياتها الحضارية والإنسانية، وبأنها ستدافع عن الأمن العالمي وتؤمّنه، ويطالب "العالم المتمدّن" بأن يُسهم في معركة الأمن والحرية والتمدّن التي تقودها أميركا.

ثُمّ يؤكّد إيمانه بالإنتصار على قوى الشرّ والبربرية، ويتوعّد هذه القوى، دولاً ومنظّمات وأفراداً، بأقسى العقوبات بحيث تكون أُمثولة لجميع هذه القوى في الحاضر والمستقبل.

ثم يعلن الرئيس أن السلطات والأجهزة المختصّة بدأت تُمسك برؤوس الخيوط التي قد تقودها إلى إكتشاف الشبكة المسؤولة عن الجريمة والجهة التي وراءها.

يُنهي الرئيس كلمته بالإعلان عن أنّ أميركا هي في حالة حرب، وعن أنّ قوى الشر والبربرية هي التي شنّتها، وعن أنّ أميركا ستسحقها دفاعاً عن أمن الحياة الأميركية، وانتصاراً للأمن العالمي والحرية والحضارة.

بعد كلمة الرئيس تتوالى البيانات.

بيان بتدابير السلطات العليا التشريعية والإجرائية.

تُعلن السلطات العليا إستدعاء كبار المسؤولين إلى العاصمة، وجميع المسؤولين في البلاد للإلتحاق فوراً بمراكز عملهم.

تُعلن عن عقد إجتماعات إستثنائية وجلسات مفتوحة: البيت الأبيض، الكونغرس، مجلس الأمن القومي، البنتاغون، وزارة الخارجية، وزارة الصحة (وجميع المؤسسات التابعة لها)، وزارة الداخلية (وجميع المؤسسات التابعة لها)، ثم جميع المؤسسات والهيئات والأجهزة واللجان والفِرَق الفدرالية، المسهمة في عمليات الإنقاذ والإسعاف والإختبار والتقصّي والمطاردة... ثُمّ مرجعيّات التنسيق والتكامل بين مختلف هذه الأطراف.

الإعلان عن جلسات مغلقة على أعلى المستويات لدراسة التقارير الفورية وإتّخاذ القرارات.

بيان بتدابير سلطات الولاية والسلطات المحلّية.

المؤسّسات والأجهزة والهيئات الدائمة والعادية تُعلن عن تدابيرها وأوامرها.

المؤسّسات والأجهزة والهيئات الإستثنائية والمختصّة بهذا الموضوع تُعلن عن إجراءاتها وتعليماتها.

إعلان المدينة منكوبةً.

إعلان حالة الطوارئ في المدينة والولاية.

إعلان حالة الإستنفار في الولايات الأخرى.

بيان توضيحي لإعلان الطوارئ ولإعلان الإستنفار وموجباتهما. تشدّد السلطات، في إعلانَي الطوارىء والإستنفار، على المهمّات الأساس الآتية:

مهمّة إنقاذ وإسعاف المدينة والولاية المنكوبتين والتأكّد من تطويق الوباء.

مهمّة وقاية الولايات الأخرى من إنتقال الوباء إليها.

مهمّة معالجة الذيول الفظيعة على المدينة والولاية وعلى البلاد بأسرها.

مهمّة وقاية البلاد من عمليات إرهابية أُخرى.

مهمّة إكتشاف الفاعلين والجهة المسؤولة عنهم وعن العملية، والإقتصاص منهم بما يتلاءم مع حجم الجريمة وفظاعة نتائجها ومفاعيلها، وبما يؤلِّف رادعاً حاسماً لهم ولسواهم في المستقبل.

ثُمّ تؤكِّد السلطات ما جاء في كلمة الرئيس على الجريمة البربرية التي هي شنّ حرب على الدولة والمجتمع معاً. ما يستوجب أن يُسهم المجتمع في مواجهة العدوّ، وأن يمنح المواطنون حكومتهم كامل الثقة والتأييد في سياساتها وخططها وأعمالها.

تُعلِن السلطات عن سلسلة تدابير تختصّ بكلٍّ من المهمّات الأساس التي عيّنتها، وعن مجموعة موجبات وقواعد سلوك ملزمة للمواطنين. ما يقتضي تفهّما كاملاً من جهتهم للأسباب الموجبة لذلك، في ضوء الحالة الإستثنائية الطارئة. وتدعوهم إلى التحلّي بحسّ المسؤولية وبروح الجماعة، والتغلّب على النزعة الفردية التي لا تتحمّلها الأوضاع العامّة القائمة. وتطلب منهم أن يتعاونوا في ما بينهم وأن يعاونوا المسؤولين والقوى الأمنية والمؤسّسات والأجهزة المختصّة، حتى يكون كلّ مواطن خفيراً في محيطه.

في خلال صدور هذه التعليمات الجديدة وغيرها، شرحاً وتوضيحاً لحالتي الطوارئ والإستنفار، كانت تصدر بيانات متقطّعة ومقتضبة عن تطوّر الأوضاع وعن الملابسات المعقّدة الصعبة [27] التي تواجهها فِرَق الإنقاذ والطوارئ والمؤسّسات الطبيّة والأمنية.

الإعلان عن عدد الضحايا، والمصابين الفعليين، والمصابين المحتمَلين؛ تأكيد السلطات نوع السلاح البيولوجي المستخدَم في العملية. إعادة التشديد على ضرورة الإلتزام بقواعد الوقاية نظراً لخطورة الوباء وقوة إحتمالات العدوى على مدى أسابيع وربما أكثر؛

ترجيح مركز إنتشار الوباء: في وسط المدينة وعلى الجادّات المؤدّية إليه، مع تعليمات جديدة متواصلة لسكّان هذا الوسط والعاملين فيه والمتعاملين معه أو مع أصحاب العلاقة به؛

نَصْح المواطنين بعدم الدخول إلى المنطقة المصابة وعدم الخروج منها وتجنّب جادّاتها، في إنتظار تدابير وتعليمات جديدة؛

النُّصْح بعدم تناول الأكل والشراب في المطاعم والمحلاّت العامّة، أو من مصادر غير معروفة؛

إعادة التشديد على تجنُّب الأماكن العامّة ووسائل النقل العامّة نظراً لكون هذه الأخيرة تَجمع عاملَي الإنتقال والإزدحام، وهما أخطر العوامل لنقل العدوى.

إعترفت السلطات بالتلوّث [28] العالي الحاصل في المدينة وفي المحيط الطبيعي، ما يزيد في إحتمالات إلتقاط العدوى أو نقلها، بالأطعمة والمياه والهواء، بالألبسة والبضائع، بالسيارات والشاحنات والقطارات والطائرات، بالبريد (المحلّي والفدرالي والخارجي)، بجمع القمامة ونقلها، بتوزيع الصحف، وحتى بإنتقال الطيور.

إعترفت بالأثر المباشَر وغير المباشَر في العمل والوظائف على مستوى السلطة: الدوائر العليا بما في ذلك أعضاء وموظّفون في مجلسي النوّاب والشيوخ، والبيت الأبيض، والوزارات، وبقية الدوائر الحكومية العليا وعلى المستويات الأُخرى، والقوى الأمنية، والعسكرية، والمؤسّسات الطبيّة والإسعافية، والمؤسّسات المختصّة بهذا النوع من العمليات، والمؤسّسات المستحدَثة ذات الصلة الفرعية بالموضوع.

الأثر المباشر في المدارس والجامعات، والمكاتب، والمصانع، وفي الحياة العامّة النهارية والليلية، والأماكن العامّة على أنواعها: المطاعم، دُوْر السينما، المحلاّت التجارية، المطارات، محطّات القطارات ومواقف النقل العامّ الأُخرى، النوادي الرياضية، وجميع الأماكن السياحية، وحتى الطرقات. ثُمّ في إنتقال الموظّفين ووجودهم في مكان واحد وتنقّلهم في خلال عملهم. أي في كلّ ما هو حركة وإحتكاك وعلاقات وإجتماعات عامّة وإتّصال أو إقتراب جسدي، وفي غالبية وجوه التواصل الحياتي.

هذا ما كان، في الساعات الأولى على أجهزة الإعلام، من معلومات عن الوباء، ومن أنباء عن الأوضاع العامّة وتطوّراتها، ومن توجّهات الدولة وإجراءات السلطات المعنيّة وتعليماتها.

ماذا كان يحصل بالفعل على الأرض؟

أجهزة الدولة ومؤسّساتها

كيف نفّذت التعليمات التي صدرت إليها، والخطط التي وُضعت لها، والمهمّات التي أُنيطت بها؟ كيف كان التعاون في ما بينها؟ [29] كيف تصرّف عناصرها، وما كانت حالتهم؟ هل أثبت كلّ ذلك أنّ أميركا كانت مستعدّة بالفعل للتعامل السليم والناجح مع مثل هذه الضربة التي كانت تتوقّعها، وكانت تدّعي أنّ مواجهتها هي في صلب استراتيجياتها الأمنية والعسكرية؟

هذه الأجهزة والمؤسسات واجهت، بالفعل، مشكلات متعدّدة. منها ما أربكها وحدّ من فاعلية عملها. ومنها ما عرّضها للخطر. ومنها ما ارتدّ خطراً فعلياً على المواطنين.

ثلاثة نواقص ظهرت للعيان منذ الساعات الأُولى. عناصر الفِرَق لم تكن كافية. التدريب والتجهيز كانا [30] فضلاً عن أنهما لم يشملا كل فرق التدخُّل بنسبة واحدة.

عناصر الإطفاء والأمن والشِّرطة وفِرَق الطوارئ... كلّها بدأ يصيبها ما أصاب الآخرين. [31] بل كانت الأكثر تعرُّضاً، نظراً لتنقّلها وتدخّلها في جميع الحالات ولتعاملها المباشر مع المصابين، لا سيّما مع الذين وصلت إصابتهم إلى مرحلة متقدّمة تزداد معها إحتمالات نقل العدوى ما لم تكن تجهيزات الوقاية كاملة. فبدأ عدد من هذه العناصر يتساقط أو يظهر عليه بعض أعراض المرض . وبدأ الرعب يدبّ في الصفوف مع بوادر الشكوى من السلطات التي لم تؤمّن للناس الوقاية الكافية. ويبدو أنّ السلطات إستنفرت الناس في خلال اليوم السابق من دون أن تُعلِمهم بالغرض من الإستنفار. لأنها لم تكن متأكِّدة تماماً من الحالة أو لأنّ السلطات الفدرالية لم تكن أخذت قرارها السياسي في إعلان النبأ المشؤوم. ولعلّ سبب الإلتباس الخطير أنّ السلطات الأمنية سبقت السلطات الصحّية وأجهزة الطوارئ وبادرت إلى إتّخاذ إجراءاتها منذ الفجر في كل أنحاء المدينة، تطويقاً وبحثاً ومطاردةً، من دون أن تأخذ في الإعتبار مدى المجازفة والأخطار المترتّبة على عناصرها. فكان طبيعياً أن تسخط هذه العناصر الأمنية على سلطاتها، ثم أن تتوتّر علاقتها بعناصر فِرَق الطوارئ وهي تنزل بكامل عدّتها وتجهيزاتها لتتسلّم قيادة العمليات وتوضع الأجهزة الأخرى تحت إمرتها.

هذا الخلل في أوضاع الأجهزة وعلاقاتها إنعكس على العمل وروحية العاملين وعلاقتهم بالمواطنين. ورافق ذلك خلل آخر في سيارات الإسعاف وأطبّائها وممرّضيها وعمّالها. لم تكن جميعها مجهّزة بالنسبة نفسها. ولا كان العاملون فيها على المستوى نفسه من التدريب، ممّا عرّض هؤلاء العاملين والمواطنين على السواء لأفدح الأخطار. فسيّارات الإسعاف غير المجهّزة قد تصبح هي الأكثر تلوّثاً. وقد يصبح عمّال الإسعاف هم الأكثر تعرّضاً لإلتقاط الجرثومة. وبالتالي يصبحون مصدر نقلها إلى المواطنين. ثم لم تكن المستشفيات مجهَّزة بشكل كافٍ ولم تكن قادرة على إستقبال هذا العدد الهائل من المصابين أو المشكوك في أمرهم. فكانت أوليّاتها أن تحمي نفسها وطاقمها. فحشرت الفائض من الوافدين إليها في مرائبها، ما ضاعف في إحتمالات العدوى وإنتشار الوباء.

أمام هذا الواقع وبعد مرور الساعات الأولى، بدأ المواطنون يشكّكون في سلامة الإجراءات القائمة وبدأوا يفقدون الثقة بأيّ مرجعية كان، لا سيّما مرجعية الأجهزة الحكومية التي كانت تتولّى الأُمور على الأرض. صار بعضهم يفضّل أن يتدبّر أمره بنفسه على أن يلجأ إلى هذه الأجهزة التي قد تكون عناصرها، ووسائل نقلها، ومراكز مؤسساتها، مصدراً إضافياً للوباء.

شعر المواطنون سريعاً بهذا الخلل في الأداء من خلال ما كانوا يعاينونه ويعانونه بشكل مباشر. وتذكّر بعضهم المناورات السابقة التي كانت تقوم بها الدولة لتختبر مدى إستعدادها وإستعداد المجتمع الأميركي لمواجهة مثل هذه الإحتمالات، والتي لم يتوقّف المواطنون في ذلك الحين عند نتائجها وعند تصريحات المسؤولين عنها. لكنّهم تذكّروا الآن التناقضات في تلك التصريحات. ففيما كان بعض السلطة يحذّر علناً من النواقص ووجوه العجز التي تكشّفت عنها تلك المناورات، كان بعض السلطة الآخر، لا سيّما وزارة الدفاع، ينفي وجود العجز والنواقص ويدّعي أنّ أميركا هي على كامل الإستعداد.

لم يعرف المواطنون من وجوه الخلل والنواقص وعجز السلطات إلاّ ما طاولهم مباشرةً، ولم يعرفوا بالوجوه الأُخرى التي كانت حاصلة في داخل أجهزة الدولة المختلفة والتي كانت تدور في الدوائر السياسية والأمنية العليا. فالعملية لم تكشف فقط عن أكاذيب بعض الدوائر والمسؤولين، بل أيضاً عن واقع المؤسّسات الأمنية وكفاياتها الفعلية، وواقع العلاقات الشاذّ في ما بين هذه المؤسّسات، وعدم وجود مرجعية أمنية واحدة تُنسّق بين هذه المؤسّسات وتحملها على التعاون وعلى العمل في إتّجاه واحد للتعامل مع الواقعة. إختلفت هذه المؤسسات وتضاربت في كل شيء تقريباً. إختلفت في طبيعتها، وأوّلياتها، وأسلوب عملها. وتضاربت "إستقلالياتها"، وذاتياتها، ومصالحها. وتنافرت بسبب إستئثاريتها غير المشروعة، وتعنُّتها، وتنافسها المسعور على حساب المصلحة العامّة التي هي علّة وجودها، والحساسيات والإعتبارات الشخصية الغالبة فيها. هذا فضلاً عن قصور المفاهيم الأمنية التي تحكمها والتي لا تتلاءم مع طبيعة الأخطار الجديدة.

تفاعلت هذه الإختلافات والتناقضات والإعتبارات مع إرباكات أخرى بين السلطات المحلية والحكومية والفدرالية، وتفاقمت مع تعاقب المفاجآت التي تجاوزت كلّ الحسابات والتحضيرات السابقة، بالإضافة إلى نشوء ظواهر جديدة مثل حالات التمرّد وعصيان الأوامر أو الهرب من الخدمة.

في الخلاصة، تكشّف الخلل والعجز على عدة مستويات، وعاد ذلك إلى عدّة أسباب. على مستويَي التخطيط والتنفيذ. فضلاً عن أسباب تتدرّج من خلل في الإدارة، وفي أخلاق المؤسّسات والأفراد، وفي تضارب المصالح الذاتية وتغليبها على المصلحة العليا، إلى خلل وقصور في المفاهيم الأمنية والسياسية في النظام وآلياته. وأدّى ذلك إلى خلل في الأداء هدّد أمن المواطنين سَواءٌ بالكارثة في ذاتها أم في تعامل الدولة مع نتائجها وتفاعلاتها.

عامّة الناس

كيف عاشوا الساعات الأولى واليوم الأول؟ كيف كان مشهد المدينة، ومشهد الناس تجاه الوباء، ومشهدهم بعضهم تجاه بعضهم، وتجاه ممثلي السلطة والسلطة نفسها؟

لم تكن المدينة وحدها مطوّقة ومعزولة. كان جميع الأفراد مطوّقين ومسمّرين في أماكنهم، منعزلين عمّن حولهم وبعيدين عن أخصّائهم من أهل وأحبّاء، وهم في حالة ذعر من مشهد الضحايا والمصابين المقزّز للنفس. وتعاظم ذعرهم من أن يكونوا قد أُصيبوا ولم تظهر الأعراض عليهم بعد. وتضاعف هذا الذعر والشعور بالكارثة بسبب ما كانوا يعرفونه من أوضاع ذويهم، المحاصَرين بالمشهد المأسوي ذاته.

أمّا تطويق الأحياء والبنايات، وعمليات المداهمة، والتفتيش، والمطاردة، والتدقيق في الهُويّات، والتحقيق والإستجواب، [32]

فقد جعلت المواطنين، إلى ذعرهم ممّا حصل، يشعرون بذعر مضاعف مما يمكن أن يحصل من عمليات جديدة، بالإضافة إلى شعورهم بأنّ كلاً منهم قد أصبح موضوع شكّ. خصوصاً أنهم كانوا محاصَرين في مراكز عملهم حيث لم تكن علاقاتهم بزملائهم تتعدّى التعامل المهني الوظيفي في حدوده الدنيا. واتّجهت الشكوك إلى الشرق أوسطيين (المسلمين والعرب) لأن إستجوابات رجال الأمن وأسئلتهم تركّزت عليهم، فخيّم على حالة الحصار جوّ خانق من الشكوك والكراهية. وظهر التوتّر الشديد في العلاقات منذ الساعات الأُولى، تطوّر بعضه إلى مناقشات عنيفة ومضايقات أو صدامات شخصية. هذه الأوضاع المتوتّرة كانت تتزايد مع وقوع الإصابات وفظاعة مشاهدها التي كانت تضاعف الذعر من أعراض الوباء وتصيب الجميع بالغثيان حتى الإغماء من منظر المصابين.

"فيروس "الإيبولا" يقتل، في خلال أسبوع، تسعين بالمئة من المصابين. من أعراضه الأولى، الألم في المفاصل وحمّى شبيهة بحمّى الزكام. أما الأعراض الأُخرى فهي الصداع، والتقيّوء، والإسهال، والنزيف القويّ، وخوار القوى والإنهيار. ثم تبدأ أنسجة المفاصل تسيل، وينضح الدم من الجلد المترقّق إذا ضُغِط عليه. ويختنق المصاب بالأجزاء المنفصلة عن لسانه وحلقه والتي تتسرّب إلى زلعوم الهواء. وتمتلىء الحدقات بالدماء التي تسيل وتنزل إلى الخدَّين. وعند إقتراب الضحية من الموت، تصاب بالتشنّج فتصبح الدماء التي تتدفّق منها في أثناء ذلك، خطراً شديداً على الذين يعتنون بها من دون وقاية". [33]

في هذه الأجواء الخانقة من الخوف الكبير حتى الهَلَع، ومشاهد الموت والإحتضار، والشكوك والأحقاد الصاعدة، جاءت التعليمات الرسمية تزيد الناس شعوراً بالحصار والعبثية. ركّزت التعليمات على شيئين: التحذير من التنقل والإنتقال، ومن الوجود في الأماكن المزدحمة والإحتكاك الجسدي. كأنّ حياة المدينة لا تقوم، في شكل رئيس، على حركة الإنتقال والإزدحام. فإذا راجعنا شريط حركة الحياة منذ هذا الصباح، نكتشف مدى التعجيز الذي تضمّنته هذه التعليمات. فقد رأينا أرتال السيارات القادمة إلى المدينة والمنتقلة من طرف فيها إلى طرف آخر. ورأينا حركة السُّوق الأسبوعية والخضار والفواكه والمآكل الأُخرى، الداخلة إليها والخارجة منها إلى مطاعم المدينة ومؤسّساتها التجارية ومستشفياتها وفنادقها وبيوت المستهلكين. ورأينا نقل القمامة، وتوزيع البريد والصحف. ورأينا ملايين الناس ينتقلون إلى المدارس والجامعات والمصانع والمكاتب، ويتنقّلون كتلاً بشرية مزدحمة في محطّات القطار وسائر وسائل النقل، وفي المجمّعات التجارية الكبرى، وفي السوق وحركة محلاّتها ومطاعم وجباتها السريعة، ثُمّ في مرائب المدينة ومصاعد بناياتها، وفي الدوائر الحكومية، والأماكن العامّة. فحياة المدينة كلّها هي إنتقال وإزدحام، والتعليمات الرسمية تقضي بوقفها، فيما كبار المدينة وصغارها، رجالها ونساؤها، منثورون ومحاصَرون في أرجائها وليس بينهم، إلاّ في النادر، عائلة واحدة مجتمعة.

[1يدعم هذه الفكرة ما يقوله الخبير في شؤون الإرهاب براين جنكنز في معرض حديثه عن الإرهابيين التقليديين: “In the past, in Brian Jenkins’s famous words, terrorists seemed to want ‘a lot of people watching, not a lot of people dead’”. Stern Jessica, The Ultimate Terrorists, 1999, London, p. 76; see also, Hoffman Bruce, Inside Terrorism, 1999, London, pp. 198, 205

[2تتّسم العمليات الإرهابية التقليدية بضوابط تقلل من احتمالات القتل الجماعي. Hoffman, p. 205

[3Falkenrath, Richard A., America’s Achilles’ Heel, 1999, London, p. 16; see also, Stern, p.48

[4Falkenrath, p. 16 ; Stern, pp. 35-36, 42.

[5حول رعب الشك، أنظر: Stern, pp. 35-37

[6حول خطورة الذعر انظر: Falkenrath, pp. 6,23 أُنظر أيضا: Stern, pp.3,12,30,145

[7أُنظر: Falkenrath, pp. 11,138-142; Stern, p. 4

[8أنظر: Falkenrath, pp. 138-142, 144-145

[9الضحايا،حول عدد الضحايا المذهل الذي قد ينتج عن هجوم بالسلاح البيولوجي أنظر المراجع الأتية: Falkenrath, pp.16,99,151-155; Stern, pp. 3-4,164-166; Laqueur, pp. 64-66

[10حول النتائج المحتملة للضربة أنظر: Falkenrath, pp. 5-7,10,14-17,99,151-155,234 Stern, pp. 3-4,10-13,19,21-23,30,36-37,41-42,44-48,57,75,141-145,164-166 Heymann, pp.11,13-14,16-17,67-70,103,101-102,116

[11في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن الروح الفردية في نمط الحياة الأميركية قد تكون من العوامل السوسيولوجية التي تساهم في تسهيل تحرك الإرهابيين من دون مراقبة. يدعم هذا الرأي ما تقوله جسّيكا شْترن عن المدن المكتظّة السكّان في المجتمعات الحديثة. فرغم هذا الاكتظاظ السكاني، كثير من الأفراد في المجتمعات الحديثة في عزلة بعضهم عن بعض، مما يخلق أرضا خصبة لتكاثر المتطرفين ولسهولة قيامهم بعمليات من دون رقيب. Stern, p.4

[12أُنظر الملاحظة رقم (11)

[13أُنظر الملاحظة رقم (11)

[14أُنظر: Stern, pp. 35-36,42

[15راجع الملاحظات 38-39 في العرض العام في الفصل الأول

[16بالنسبة إلى نوع السلاح البيولوجي انظر: Stern, pp.22-23,164-166 Falkenrath, p.152

[17انظر: الملاحظات 43-46-47-48 في العرض العام في الفصل الأول

[18بالنسبة للأعراض راجع: Stern, pp.41,164-165

[19بالنسبة للمستشفيات وفرق الإسعاف انظر: Stern, pp. 141-143

[20أُنظر (17)

[21أُنظر: Stern, pp. 142-143,145

[22جميع النقاط الواردة في هذا الخطاب الافتراضي للرئيس الأميركي مأخوذة من مجمل الخطاب السياسي للمسؤولين الأميركيين والرؤساء الأميركيين، في شكل خاصّ. لكن رئيساً من نوع الرئيس بوش وبأفق تفكيره، قد استنسب منحىً آخر فيطلع علينا بما هو من عندياته، أو يذهب أبعد من أسلافه فيخرج على حدود الخطاب السياسي السابق ويتورّط بوعود والتزامات وتهديدات غير محسوبة (لم نستطع أن نقدّرها وأن نلحظها هنا). وهذا قد يزيد في المأزق الأميركي وفي التأزّم السياسي الدولي وفي الأخطار الأمنية على أميركا والعالم.

[23العقلانيةيؤكِّد الباحث والخبير هايمان إن التعاطي مع الإرهاب يستوجب موقفاً عقلانياً لا انفعالياً. Heymann, pp. XII-XIII

[24أُنظر: Heymann, pp. IX, 153

[25راجع: Heymann, pp. 16-17,68,75-76

[26يؤكِّد عدد كبير من الخبراء أن التعامل مع خطر الإرهاب يجب أن يقترن بصيانة الحريات العامة والقيم الديمقراطية. راجع: Falkenrath, pp. 7-8,336,338,340 Stern, pp. 129,149 Heymann, pp. IX,X

[27حول هذه الملابسات راجع: Stern, pp. 140-143,145

[28حول تلوث البيئة راجع: الملاحظات 40-41-42 في العرض العام في الفصل الأول

[29بالنسبة إلى مشكلة التنسيق بين الأجهزة والتضارب في الأولويات راجع: Stern, p. 140 Falkenrath, pp. 261,272-274 Heymann, p. 256

[30ناقصَين،راجع: Falkenrath, pp. 6,154,2166 Stern, pp. 141-142

[31راجع: Falkenrath, p.6

[32والتوقيفات،حول المضايقات وردّات الفعل الشعبية ضد مجموعات دينية أو اثنيه راجع: Stern, pp. 2-3 Heymann, pp. 100-102

[33بالنسبة إلى أعراض الوباء وفعله الفيزيائي راجع: Stern, pp. 41,164-165