الفصل الأول

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2006

I

النظام العَولمي ماضٍ متخلّف أصبح خطراً

"ماذا يكون إذا فجّر الإرهابيون قنبلة نووية من صنع محلّي في إمباير ستايت بيلدينغ في مدينة نيويورك؟" جيسّيكا شتيرن، [1]

عولمة الرعب

في خلال أيام، قد تستطيع حملة بربرية مركَّزة من الإجراءات والعمليات المالية والهجمات الإعلامية والسياسية، يقوم بها بضعة أشخاص، أن تدمّر إقتصادات عدّة بلدان، وتقضي على إستقرارها وأمن حياتها لسنين أو عقود، وتقرّر مستقبل مئات الملايين وتهدّد مصائرهم.

وفي خلال ساعات أو أيام، قد تستطيع الآلة الحربية الأميركية أو الإسرائيلية أن تقهر دولاً وتدمّر أو تبيد شعوباً وتحرق أوطاناً، ما كان يستلزم الجيوش الرومانية في الماضي البعيد والقوات المسلحة الإستعمارية حتى منتصف القرن العشرين، أعواماً أو عقوداً.

وفي خلال ثوانٍ أو دقائق، قد تستطيع عملية إرهابية بربرية، يقوم بها شخص واحد أو قبضة من الأشخاص، في إحدى المدن الأميركية، تُستخدَم فيها أسلحة الدمار الشامل، وتصيب عشرات الألوف أو مئات الألوف من المواطنين الأميركيين الأبرياء، أن تهزّ الإستقرار الأميركي وأن تغّير وجه الحياة الأميركية، فتحوّل "الحلم" الأميركي إلى كابوس، مع إحتمال أن تكون الشرارة الأُولى لكارثة عالمية، أمنية وإنسانية وحضارية. وقد تحدث العملية هذه في إحدى المدن الإسرائيلية، فتهدّد الحياة الإسرائيلية وأسُس الوجود الإسرائيلي، وقد تتطوّر إلى محرقة كبرى في الشرق الأوسط ومنه في العالم كله.

هذه الاحتمالات المرعبة ليست منفصلة بل متداخلة. وليست متناقصة بل متزايدة وعلى تسارع. وليست بعيدة ومستبعدة بل هي حاضرة وداهمة. بعضها حاصل بالفعل وبعضها الآخر قائم بالقوة والترجيح، مع بعض المؤشرات الصريحة على إمكان حصوله. وهي ليست، هنا، شاهداً على التقدّم والإرتقاء في ثورة الوسائل وتكنولوجيات السرعة، بل إنها تنبئ عن التخلُّف والإنحطاط والبربرية في وجهة استخدام هذه الوسائل والتكنولوجيات، وعن الخلل الحضاري الخطير والهشاشة الأمنية الجديدة في عالمنا المعاصر. وهي إحتمالات لا تصدر، في رأينا، عن حالات طارئة وعابرة أو فردية شاذّة، بل عن أوضاع عامّة وسائدة تحكم المشهد الدولي - العالمي وتُخضِع المجتمعات، لا الدول، في الدرجة الأُولى، لسلطان الرعب.

أدهى ما في الرعب الجديد المعَولَم، انه لا يُنتج توازناً ضابطاً لمرجعياته. فالمرجعيات الجديدة، في الجانب الأقوى المتفرِّد بصنع النظام العالمي الجديد وقيادته، تتجاوز الدول وتقتحم المجتمعات، عاملةً على تغييب المرجعيات الأُخرى أو إضعافها، وإلغاء الضوابط، وإذلال الآخرين، جميع الآخرين، دافعةً بالأمور إلى درجة الإنكسار أو الإنفجار. يقابلها، في الجانب الأضعف المُستَفرَد، مساحات إنسانية مستباحة ومذلولة وأوضاع متفجِّرة، وهي تفتقد، أكثر فأكثر، مرجعياتها القادرة والجامعة. وعند أول انفجار، قد تحصل المفارقة غير المتوقَّعة فيصبح عدد المرجعيات، عند الطرفين على الأرجح، بعدد الشظايا والضحايا. فيكون النظام العالمي الجديد قد أدّى إلى عكس ما أراده هو وادّعاه. طمح وعمل لتقليص عدد المرجعيات، وضبْط إيقاعها، واحتوائها بمرجعية كلّيانية واحدة وحيدة. فأدّى، في الصعيد الأمني، إلى تكاثُرها السريع وتفلُّتها شبه الكامل، وإلى إخضاع الإنسانية ومصيرها لإستبداديات إرهابية تحكم مسلك الدول والأفراد وتطاول جميع المجتمعات. فتكون العولمة الجديدة قد نجحت تماماً في عولمة الرعب.

عولمة الرعب تعني، هنا، تعميمه من دون استثناء، وتأكيد المساواة في تهديد المصائر. فالمسار الأمني، في ظل العولمة الجديدة وقوة إعتدائيتها غير المسبوقة، وفي ضوء المعطيات التكنولوجية الحديثة، سيذهب في الإتجاه المعاكس للمسارات الأُخرى في العولمة حيث يزداد الأقوياء قوةً والضعفاء ضعفاً، والأثرياء ثراءًَ والفقراء فقراً، والمتقدّمون تقدّماً والمتأخِّرون تأخُّراً. خصوصية المسار الأمني الجديد أنه سيوزّع ويله على الجميع، بل سيكون وقعه على الأقوياء والأغنياء والمتقدمِّين أقوى منه على الضعفاء والفقراء والمتأخِّرين.

موضوع كتابنا هو، حصراً، هذا المسار الأمني الذي نراه مسرعاً في الوصول بالجميع إلى الطريق المسدودة، وربما إلى الكارثة. نحاول أن نستكشف بعض نهاياته الرهيبة المحتملة، ونحن نجهل إستحقاقاته التي هي من سرّه، ونبحث في العوامل والعناصر التي ألّفت مادّته، والقرارات التي أنتجته، والخيارات السياسية والستراتيجية والحضارية التي هي في خلفيته وأساسه.

غايتنا المباشرة أن نؤكِّد ضرورة التغيير في إتِّجاه المسار أو التخفيف في وتيرة سُرعته على الأقلّ. أمّا القضية والطموحات، فهي أن يحدث تغيير في الخيارات الأساس المسؤولة عن تقرير المسار. فما عاد يجوز أن نتردّد في التصدّي للأخطار الحقيقية التي تهدّد أمن الإنسانية الفيزيائي، فضلاً عن الحضاري، وفي النضال المسؤول لإحداث التغيير. فالإنسانية، في هذا الشأن، على مفترق، بين أمن الإنسانية وارتقائها وحلم التسامي الإنساني وبين كابوس الفناء.

ما هي معطيات هذا الخطر الرهيب، ومبرّرات رؤيتنا ومخاوفنا؟

أوّلاً: النظام العالمي الجديد يمارس عنفاً مفرطاّ غير مسبوق إليه في تاريخ البشرية. العالم لن يستطيع أن يتحمّل كل هذا العنف. الدول قد تنكسر أمامه. أما المجتمعات فتنفجر، وتردّ على العنف بالعنف. وقد بدأت مؤشّرات هذا الإنفجار العنفي تظهر من فترة طويلة، وهي متصاعدة. أخطر هذه المؤشّرات، ظاهرة الإرهاب الأقصى بأسلحة الدمار الشامل.

هذا الخطر يهدّد أميركا، وأميركا تعرف ذلك. لكنّ معرفتها ناقصة تقتصر على نصف الحقيقة. تعرف أميركا أنّ عنف الإرهاب بأسلحة الدمار الشامل يهدّدها. لكنّها تجهل أو تتجاهل أهمّ أسبابه. إنها لا ترى، أو لا تريد أن ترى علاقة سببية، أو رابطاً على الأقلّ، بين العنف المفرط الذي تمارسه هي أو يمارسه شركاؤها في العولمة والنظام العالمي الجديد، والعنف الأقصى الذي يهدّدها. ويجدر التأكيد، هنا، أنّ عنف العولمة القائمة لا يطاول فقط "بقية" الشعوب، بحسب تعبير صاحب "صدام الحضارات"، بل يطاول أيضاً شرائح واسعة ومتكاثرة في المجتمعات الغربية بما فيها المجتمع الأميركي في ذاته.

ثانياً: بسبب جهل الأسباب أو تجاهلها، على مستوى التعليل، تذهب أميركا بعيداً في الإتّجاه الخاطئ على مستوى الإستنتاج. فهي تستنتج أنها لا تمارس القدْر الكافي من العنف في وجه الإرهاب، وأنّ مزيداً من العنف، من جهتها، كفيل باستئصال العنف الذي يهدّدها. فاعتمدت، هي وشريكها الإسرائيلي، سياسات لـِ"مكافحة الإرهاب" أشدّ عنفاً من سياسات العولمة والإحتلالات وممارساتها، وأشدّ وطأةً على الشعوب، وأكثر إستفزازية وتيئيساً لها وإذلالاً وإحراجاً لدولها وحكوماتها. وقد أدّت هذه السياسات التصعيدية في إستخدام العنف المفرط والمتنوّع، إلى صعود في العنف المقابل، وإلى زيادة في العمليات ضدّ المصالح الأميركية وضدّ إسرائيل، وتعاظم في إحتمالات العمليات الإرهابية بأسلحة الدمار الشامل في داخل أميركا وإسرائيل. والأدهى من زيادة العنف في سياسات "مكافحة الإرهاب"، أنّ أصحابها عيّنوا، سلفاً، الإرهابيين المحتمَلين وقاموا بحملة تعبويّة ضدّهم على الأصعدة السياسية-الإعلامية والثقافية. فوضعت أميركا، بمشورة إسرائيل ورعايتها، لائحة بـ"الدول المارقة" هي بأكثريتها، منذ ربع قرن، إسلامية أو عربية (خمس دول من أصل سبع). وعزّزت هذا الإتجاه عقيدة "صدام الحضارات" التي توحي بردّ العلّة إلى الحضارة الإسلامية، واستطراداً، إلى الإسلام في ذاته.

ثالثاً: في حال تعرّضت أميركا أو إسرائيل لضربات إرهابية كبرى بأسلحة الدمار الشامل، فمن المرجَّح أن ينتج عن ذلك ردود فعل وسياسات أميركية أو إسرائيلية مبالَغ في عنفها، بحيث يفوق كلّ عنف سابق، لا للردّ على العملية فقط، بل أيضاً، وفي شكل خاصّ، لتحقيق غايات استراتيجية، ووضْع العالم أمام الأمر الواقع حيالها. أمّا الردّ الإنتقامي الأميركي الفوري فمن المرجَّح أن يتوجَّه إلى الأهداف المحدّدة سلفاً على لائحة الدول "المارقة".

في حمّى الكارثة وزحمة العودة المفتعَلة إلى سلفية "صدام الحضارات" وظلاميته، وعنصريته، قد تنتعش المنظّمات العنصرية وتتّسع قواعدها، وتتحرّك العصابات العالمية المتذابحة، ومسوخ المضاربات والمراهنات المتعدّدة الجنسيات، المتسابقة، ورؤوس اللوبيات الدينية في أميركا، وأخواتها وفروعها في العالم، وفسيفساء المذاهب والفِرَق الدينية وميليشياتها التي يكاد يصبح عددها بعدد المواطنين، وتيارات الدعوة والعمل لنهاية العالم وعناصرها المتغلغلة في المجتمع والدولة الأميركيين، وشبكات المخابرات الدولية، المتداخلة والمتنافسة، وكلّها قادر على أن يندسّ في الصفوف هنا أو هناك، أو هنا وهناك معاً، وأن يسبق غيره إلى خطوط النار، فيُشعل هنا فتيلاً، ويفجّر هناك موقعاً، ويُحدث هنالك وقيعة دامية وإستفزازية. وأهمّ من هؤلاء جميعاّ، مراكز التخطيط والقرار، الحقيقية لا الواجهية، في آليات السلطة الأميركية، وحِلْف أصحاب المصالح الحربية في الصناعات والمختبرات ومراكز البحوث والوكالات المختصّة بصناعة الحرب.

سننظر، في هذا الفصل، في ما يمكن أن يترتّب من هذا الوضع على أمن الإنسانية، الفيزيائي والحضاري.

في مسؤولية النظام العَولمي الجديد

العولمة عولمتان. الأُولى واقع حكميّ، والثانية مشروع محتَمَل. الأولى تتمثّل في "ضغط الزمان والمكان" بفضل التقدّم العلمي والتكنولوجي ووسائل السُرعة في الإتّصال والوصول. قدرات هائلة تحتمل خيارات لامتناهية، وإمتحان دائم ومتجدّد للجدارة الإنسانية. إنها عولمة لا يُمكن إنكارها أو الرجوع عنها أو إيقاف تقدّمها. ضيّقت العالم ووسّعت الآفاق أو أتاحت توسيع الآفاق، فكانت عولمة محمودة، وكانت ثمَّة مصلحة حيوية إنسانية في الإقبال عليها والإسهام فيها. إنها من أهمّ معالم المستقبل، أو الحاضر المشدود إلى المستقبل.

أمّا العولمة الثانية، فهي مشروع نظام عالمي جديد: سياسي- عسكري، واقتصادي، وثقافي. إنها العولمة الإمبريالية- النيوليبرالية. وهي، خلافاً للأولى، يُمكن التنكّر لها والرجوع عنها وإيقاف تقدّمها أو إسقاطها لأنها مشروع في الصيرورة لا واقع حكمي . إلاّ أنها تجتهد في أن تبدو متماهية أو متطابقة مع العولمة الأولى، لتفيد من الإلتباس الحاصل والخلط بينهما. حتى يُتاح لها أن تدّعي أنها، كما الأُولى، خيار وحيد وقَدَر لا يُرَدّ حتى ليصير من العبث التصدّي لها. ثمّ أن تدّعي أنها محمودة، وأنّ ثَّمة مصلحة حيوية إنسانية في الإقبال عليها وتسليمها عمليّة ضمان المستقبل. لأنها، هي، المستقبل. في حين أنها، في الحقيقة، تقوم على مفهوم وخُلُقية هما من الماضي، أو من الحاضر المشدود بكليّته إلى الماضي. لكنها تتسلّح بثورة الوسائل لتقتحم الحاضر والمستقبل بوسائلهما. تعتدي عليهما وتحاربهما بسلاحهما وبإسمهما.

ثمَّة مَنْ يعترض على هذا التمييز بين العولمتين ويتّهمه بالتبسيط المفرط، محتجّاً بنقاط التقاطع بينهما. فات المعترضين هؤلاء أن التمييز شرْطٌ ضروري لإكتشاف نقاط التقاطع التي يحرصون عليها. وأنّه شرط ضروري وكافٍ للخروج من التخبُّط في مقاربة الموضوع ومن إستبدادية الخيار الواحد التضليلي. ما كان أجدَر بهم أن يعترضوا على التمييز بين العولمتين، بل على الخلط المتعمَّد بينهما الذي يُصرّ على إقناعنا بأنّ الإفادة من التطوّر العلمي والتكنولوجي والإسهام فيه يقتضيان التسليم بشريعة الغاب، وبأنّ العولمة شيء من محطّة قَدَرية، إمّا أن تكون العولمة الإمبريالية- النيوليبيرالية وإمّا ألاّ تكون، وبأنّ الإنفتاح هو، حصراً، التسليم بقانون الفاتحين، وبأنّ مَن يتردّد أو يتحفّظ يُحكَم عليه بالتخلّف والإندثار، وبأنّ مَن يعارض أو يقاوم يستحقّ "التأديب" حتى التوبة أو العقوبة حتى الموت.

نحن، في هذا الكتاب، بصدد هذه العولمة الإمبريالية -النيوليبرالية، من دون سواها. ومع أنّ الشأنين الإمبراطوري والنيوليبيرالي شبه متلازمَيْن في مشروع العولمة، نرانا نميّز، من دون أن نفصل، بينهما. إنهما يتّحدان على تكامل، من دون أن يتوحّدا ويصبحا كلاًّ قائماً في ذاته.

الإمبراطوري هو الطرف السياسي المتمثّل بقوة الدولة المسيطرة. أما النيوليبيرالي فهو الجانب المالي المتمثّل بقوة السلطات المالية الجديدة.

تقود هذه العولمةَ قوتان جامحتان: القوة العظمى الأميركية-الإسرائيلية، وقوة السلطات العظمى المالية الجديدة. وتحكمهاَ عقيدةُ متخلّفة وإعتدائية تعود مفاهيمها وخُلُقياتها إلى الماضي السحيق، ويسود العنف والتوحُّش تاريخها الطويل.

مفهومها السياسي-الأمني يعود إلى الإرث الإمبراطوري وقمّته الرومانية في التاريخ القديم.

أمّا خُلُقيتها فتعود إلى الإرث الإمبراطوري إياه، ثم إلى "فلاسفة" شركة الهند البريطانية الذين عملوا لتبرير نشاطاتها منذ تأسيسها في السنة الأُولى من القرن السابع عشر.

مفهومها الإنساني "الصدامي" ينهل من عصور الحروب الدينية وعقليتها الخُلُقية، وبعضه يعود إلى قِيَم الطَّوْر القبَلي البدائي. إنها، بوضوح، عقيدة سلفية إعتدائية بإمتياز.

لكنّ أسياد هذه العولمة يزعمون، زُوراً، أنها ثمرة إبداعهم الفريد والجديد، وأنها "نهاية التاريخ"، أي خلاصته الأخيرة وقمته. وهم يبتزّون العالم ويمنّنونه بفضلهم عليه في أنهم أمّنوا له ضمانة المستقبل. وهم، بصفتهم أصحاب الفضل في إبتداع العولمة النيوليبيرالية، يمارسون "حقّهم" بتحذير الآخرين، أي "البقية"، وبتهديدهم إذا هم تنكّروا لها أو تحفّظوا منها فلم يتقيّدوا بموجباتها. فكل تنكّر لها أو تحفُّظ منها هو إعتداء عليها، وبالتالي على مبتدعيها وأسيادها.

هذا الإصرار من جهة القوة العظمى الأميركية-الإسرائيلية على إعتماد هذه المبادئ والمفاهيم المتخلّفة، مجتمعةً، في القرن الحادي والعشرين، هو مصدر الأخطار . والإصرار على فرض هذه المبادئ والمفاهيم على العالم بشكل نظام عولمي جديد، أدّى إلى عولمة الأخطار. وقد بدأت العولمة تتكشّف، أكثر فأكثر، عن أنها ليست متخلّفة فقط، بل خَطِرَة. إزدادت أخطارها في الفترة الأخيرة، لا سيّما في العقد الأخير من القرن الماضي، مع ازدياد التسارع في تخلُّف قضيتها وتقدُّم وسائلها. فهي قوة هائلة تفتقد الضوابط وتلغي الضوابط عند الآخرين بفعل إجتياحها إليهم. إنها تتّجه بسُرعة قياسية إلى عَولمة الرعب. لقد شهد العالم، في العقد الأخير من القرن العشرين، بعض نتائجها السياسية والإجتماعية والإقتصادية المباشرة في حياة الشعوب وفي الأوضاع العالمية، وهي في الغالب نتائج مأسوية من جميع النواحي. لكننا لن نتوقّف عند هذه النتائج وجوانبها الخُلُقية والإنسانية إلاّ من حيث عواقبها الأمنية المحتمَلة. فنحن معنيون، حصراً، بهذه العواقب التي قد تفوق كل مأسوية سابقة، لأنها تهدّد أمن البشرية الفيزيائي، وتجعل من بقاء الجنس البشري التحدّي الأوّل والأخطر في القرن الحادي والعشرين.

نصل، هنا، إلى لبّ الموضوع، وهو يتمحور حول السؤال الآتي: لماذا لم تؤدِّ هذه المفاهيم والخُلُقيات الإعتدائية والفاسدة، في الماضي، إلى كارثة بشرية تهدّد البقاء، مع أنها حكمت أو سيطرت في دورات تاريخية طويلة، بينما هي، في هذا القرن، تهدّد بهذه الكارثة وتُسرع إليها؟

الجواب التقليدي هو أنّ المبادئ والمفاهيم المتخلّفة لا تصلح لأن تحكم أوضاعاً جديدة. لكنّ هذا الجواب لا يكفي. لأنه يفسّر، سوسيولوجياً وسياسياً، لماذا تنشأ الأزمات. لكنه لا يفيد عن الكوارث التي تهدّد الوجود، كالكارثة التي نحن في صددها والتي أصبحت، في نظرنا، على الأبواب. الفرضية التي نتقدّم بها، جواباً عن السؤال السابق، هي أنّ خصوصية عصرنا بالذات ما عادت تسمح لمثل هذه المفاهيم والخُلُقيات أن تسود أنظمة الحياة والعلاقات، لا سيّما في النظام الذي يحكم علاقات الدول ويدخل على حياة الشعوب، كما يحاول أن يفعل النظام العالمي الراهن. ثورة الوسائل، وتكنولوجيات السُرعة، وحجم القوى الضاربة السلاحية والمالية، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وإمكانات صنعها حتى على مستوى الجماعات والأفراد، وتداخُل حياة الشعوب وترابُط مصالحها، وغيرها من وجوه خصوصية عصرنا، بطّلتْ تسمح بأن تحكمها مفاهيم وخُـلُـقيات من الإرث الإمبراطوري والنيوليبيرالي والحروب الدينية.

الجانب الإمبريالي

العولمة الإمبريالية الراهنة هي جُزء من الإِرث الإمبراطوري وحلقة أخيرة من حلقات دورته التاريخية التي امتدّت أكثر من ألفي سنة. أهمّ ما يميّز هذا الإرث ويعنينا هنا، مفهوم "الآخر"، والمفهوم الأمني، ومفهوم "العالمية" فيه.

"الآخر"، لأصحاب هذا الإرث، يشتمل على كل مختَلِفٍٍٍ أو غريبٍ أو بعيدٍ أو مجهول. هم يجهلون "الآخر". وإذا عرفوه فلا يعترفون به إلاّ للسيطرة عليه وإستغلاله، أو لإلغائه. المعجم الفرنسي ينبئنا بأنّ كلمة "بربري"، من نشوئها اليوناني، تعني "الغريب". فالبربري هو، لليونانيين، مَن ليس يونانياً، وللرومان، مَن ليس رومانياً. أما في الإرث التوراتي، الذي عاصرهما، فقد لا ترتقي تسمية الغريب إلى المستوى الإنساني. المفهوم الإمبراطوري للـ"آخر" لا يعرف الشراكة، فلا يسمح بها. لا في داخل الإمبراطورية ولا خارجها. قمَعَ الآخرين في الداخل، وصادم الآخرين في الخارج، ليقيم نظامه الأمني. وهو نظام يقوم على منطق القوة وحده. لا يعرف من العلاقات إلاّ علاقة القوي بالضعيف، والغالب بالمغلوب. عبادته الوحيدة، إله النصر المتجسّد شخص الإمبراطور أو مَن يؤدّون دوره من كُلّي القوة والقدرة في الإنتصار على الآخرين. عالميته هي حيث تصل قبضة جيوشه التي ترسم حدود عالمه. وراء هذه الحدود، العدوّ أو العدم. قمة المسار الإمبراطوري في التاريخ القديم، الإمبراطورية الرومانية. لم تستطع، لا هي ولا اليونانية من قَبْلها، أن ترثا العالم الحضاري القديم فأبادتا آثاره، ثم وضعت الجيوش الرومانية طوقاً عسكرياً حول المتوسّط بعد أن أخضعت شعوب حوضه، فاختصرت العالم بالمتوسّط، والمتوسّط بالحروب الرومانية، وحياة الشعوب وأصواتها الحضارية بسكينة "السلم الروماني".(Pax Romana)

تعاقبت الإمبراطوريات وتساقطت. لكنّ دورتها التاريخية استمرت، واستمرت معها البشرية، لأسباب موضوعية. ولأسباب موضوعية أيضاً، بات إستمرار هذه الدورة، في القرن الحادي والعشرين، يهدّد بقاء البشرية.

الإمبريالية الجديدة تحاول أن تمشي على خطى الإمبراطورية الرومانية. وهي تُصِرّ على أن تختصر العالم المعاصر بال"القرية العالمية"، وأن تُخضع هذا العالم-القرية لأحكام "سلمها" في نظامها العالمي الجديد. تعاظُم قوتها العسكرية يغريها بالتقدّم المنفرد على الساحة العالمية، لا سيّما أنّ هذه القوة هي ذات مستوى كمّي ونوعي لم يسبق له مثيل، وهي تؤمّن تفوّقاً شبه مطلق على بقية الدول، سواء من حيث هي قوة ضاربة أم من حيث هي تستند إلى خلفية علمية وتكنولوجية واقتصادية متقدّمة على الآخرين. وفوق ذلك، تحرص الإمبريالية الجديدة على أكثر من المحافظة على تفوّقها في ميزان القوى. فهي تعمل على زيادة هذا التفوّق حتى لا يخطر في بال قوة أخرى أو مجموعة من القوى، أن تطمح إلى التصدّي لها أو منافستها. وهي على نشوة القوة هذه، تراها تعمد إلى الإفراط في استخدام قوّتها أو التهديد بها من دون مبرّر في الغالب. إنها، باختصار، تمارس أقصى ما تمكّنها قوّتها المتعاظمة من ممارسته، مفيدةً إلى الحدّ الأقصى من واقع ميزان القوى وغياب التوازن فيه. قوتها ليست فقط مركز القرار. إنها القانون.

والدولة الأميركية على هذا الجبروت وفي موقع السيادة المسلَّم بها في العالم، تحرص على أن تُطمْئن الشعب الأميركي إلى أمنه. فالحروب والنزاعات والأخطار هي من نصيب الآخرين وتجري على أرضهم، بعيداً عن الأرض الأميركية، ومعظمها يقع تحت السيطرة الأميركية أو ضمن هامش محدّد لا يهدّد المصالح الأميركية في العالم. فليس على المواطن الأميركي، والحال هذه، أن يقلق أو يهتمّ لما يجري في العالم، بل أن يوكل إلى سلطاته هذا الشأن تتدبّره بما تراه مناسباً وتتعامل معه بقدرتها. ونادراً ما يُضطرّ المواطن الأميركي العاديّ إلى أن ينظر في خريطة العالم إلاّ لغرض سياحي وهو في سنّ التقاعد. أمّا شعوب العالم ومواطنوه فعليهم أيضاً أن يطمئنّوا، لأنّ النظام العالمي الجديد سيحوّلهم إلى مواطنين في "القرية العالمية"، حيث يُتاح لهم أن ينتموا إلى العصر وينفتحوا على تحدّياته، وأن يمارسوا مواطنيتهم "المتمدّنة". ويُهنّئ كبار الجنرالات الأميركيين والإسرائيليين أنفسهم بهذه الإنجازات وينكبّون على استكمال استراتيجياتهم وخططهم وتأهيل قوّاتهم وتجهيزها بأحدث ما يصدر عن ثورة الوسائل ومبتكراتها شبه اليومية. ولا يُخفون أنهم في صدد تكثيف جهودهم وتصعيد عملياتهم للتسريع في إنجاز مشروعهم الذي بات رهان المستقبل وضمانته.

هذا هو بعض المشهد الواقعي الآن، بمنطقه ووقائعه وخطابه، بقيادة القوة العظمى الإمبريالية وفي ضوء مشروعها العَوْلمي. إنه مشهد متفائل ومطمئنّ إلى ما حقّقته القوة العظمى حتى الآن، وإلى ما هي في سبيل تحقيقه في المستقبل. ولعلّ نجاحاته، حتى الآن، هي مصدر هذا الاطمئنان إلى المستقبل.

تبدو مصداقية هذا المشهد محسومة. ويبدو مستقبله الصاعد محتوماً نظراً لكونه أمراً واقعاً متقدّماً. ولا يظهر في الأفق الدولي وميزان القوى فيه ما يُنبئ بمشهد آخر محتمَل في المستقبل المنظور. وتبدو هذه القراءة لحاضر المشهد العالمي ومستقبله، القراءة الوحيدة الممكنة في ضوء ما خبرتْه الإنسانية من تاريخ الدول والإمبراطوريات وعوامل صعودها وسقوطها في التاريخ. وهذا ما يجعل هذه القراءة ترتقي إلى مرتبة المسلّمة.

قد تنام أميركا مطمئنّة إلى هذه "المسلّمة" بكلّ حلقات مشهدها، ثُمَّ تستيقظ مذعورة على إنقلاب كلّيّ في المشهد. ضربة واحدة بسيطة لهذا البناء المركّب والمعقّد من "المسلّمات"، تستطيع أن تهزّ كامل مصداقيته: مصداقية إدّعاءاته، ومصداقية قدرته على الإستمرار. ضربة تقع على الأرض الأميركية، لا في البعيد والمجهول، فتكون طمأنة الشعب الأميركي إلى أمنه طمأنةً كاذبة. وتتحوّل الأحلام، بين دقيقة ودقيقة، إلى كوابيس. وتصبح "القرية العالمية" التي طمحت القوة العظمى إلى إدارة "بلديتها" وإحصاء أنفاس سكّانها، أدغالاً ومجاهل تسكنها الأشباح. وتهرع القوة العظمى إلى الإستعانة بثوابتها: مفاهيمها وسلاحها. فيحوّلها مفهومها للـ"آخر" إلى جزيرة تحرسها الأساطيل من "غزاة البَرّ"، ويختصر "رسالتها" إلى العالم بصواريخ عابرة للأدغال والفيافي. ويحوّلها مفهومها الأمني إلى ثكنة عسكرية مستنفَرة يسهر جنودها (مواطنوها) عليها وينامون بلباس الميدان، وإلى حملات عسكرية جوّالة رحّالة تستعيض بها أميركا عن سياحة مواطنيها في العالم. فيبحث جنود الحملات العسكرية عن "شرور وقباحات وعداوات" في العالم، حيث كان السيّاح الأميركيون يكتشفون الخير والجمالات ويلقون الضيافات. أمّا مفهوم"العالمية" عندذاك فيتكشّف عن واقع هجين يجمع بين "القرية العالمية" والثكنة العسكرية.

هذا في ثوابت المفاهيم. أمّا ثوابت السلاح وثوابت إستخدامه والإفراط فيه، وثوابت التفوّق المطلق على الدول والهاجس الدائم في تعزيز هذا التفوّق وتصعيده، فتبدو كلّها مشهداً مخيفاً وسخيفاً في آن واحد. فهو مخيف، لأنه يعبّر عن جنون القوة وهستيريا الإنتقام ويقود إلى دوّامة التنكيل. وهو سخيف، لأنّ كبارالجنرالات "الستراتيجيين" يُخرجون سلاحهم الجبّار العابر للقارّات إلى معارك الأدغال والوحول، ويحشدون أساطيلهم العملاقة ويحشرونها في البحيرات والمستنقعات، فيبدون كأنهم يخرجون بلباس العيد في يوم الحرب.

لم يستوعب الجنرالات، ولن يستوعبوا، أن الشعوب خرجت إلى المعركة بعد أن يئست من قدرة دولها على حمايتها، وأنّها أصبحت هي الطرَف الآخر في المواجهة. وأنّ الاستراتيجيات والأسلحة المعَدَّة لإخضاع الدول لا تصلح للتعامل مع الشعوب. وأنّ تعاظم القوة واستخدامها بإفراط أو بأقصى ما تستطيعه القوة على الأضعف وهو في أقصى ضعفه، من شأنها أن تقود إلى تهديد أمن القويّ والضعيف على السواء، في واقع خصوصية عصرنا.

لم يستوعب الجنرالات والقادة السياسيون الأميركيون والإسرائيليون، بعدُ، أنهم أخطأوا عصرهم. وأنهم لا يستطيعون، في القرن الحادي والعشرين، أن يكرّروا ما فعلته الإمبراطوريات السابقة ويمضوا، من ثَمَّ، بسلام. فعلى خلاف الهنود الأميركيين والشعوب التي سحقتها الإمبراطوريات السابقة أصبحت الشعوب في هذا العصر قادرة على إستخدام بعض الوسائل والأسلحة الفتّاكة التي تستخدمها الدول الغازية. وهذا الوضع الجديد عدّل في أهمّية الدور التقليدي لشريعة ميزان القوى التي هي الشريعة الوحيدة التي تعتمدها الإمبراطوريات وتعترف بها. فما عاد ميزان القوى هو العامل الوحيد في تقرير الأمن، لا سيّما أمن المجتمعات. وتفوّق الدولة العسكري، في القرن الحادي والعشرين، ما عاد يعني ضمانة أخيرة ومنعة أكيدة لأمن مجتمعها، كما كان في العصور السابقة. ما أحد، اليوم، هو الأقوى في المطلق. بل ما أحد هو الأقوى. ولا ثَمَّة سلاح هو الأقوى في المطلق، أو هو السلاح الأقوى. شريعة الغاب تغيّرت معادلاتها. بطّل ملك الغابة قانونها لا يطاوله أحد. هذا الواقع الجديد أفقد النظام الأمني القائم حصراً على القدرة العسكرية للدولة، وظيفته الأُولى التي هي حفظ أمن المجتمع. والنظام الأمني الإمبراطوري يقوم، حصراً، على مبدأ القوة العسكرية والمزيد ثم المزيد منها، وعلى مبدأ الإفراط في إستخدام القوة القصوى على الآخرين، من دون أن يكون هذا النظام، في عصرنا، قادراً على حماية مجتمعه من ثأر الآخرين. وتصبح احتمالات ثأر الآخرين مضاعَفة متى كان هؤلاء شعوباً لا دولاً وحكومات، أي أطرافاًً لا تعترف بميزان القوى. وتتضاعف إحتمالات الثأر، أكثر فأكثر، متى كان العنف الإمبراطوري يطاول الشعوب أكثر ممّا يطاول الدول والحكومات، كما هي فلسفة الحرب الإسرائيلية المعتَمَدة في فلسطين، والتي يعتمدها الأميركيون، بالنيابة عن إسرائيل، على الشعب العراقي. هذا يعني أنّ النظام الإمبراطوري صار مصدر خطر، أوّل، على مجتمعه. وهو خطر رهيب غير مسبوق إليه من شأنه أن يُدخل دول العالم وشعوبه في دوّامة من الفعل وردّ الفعل بالعنف الأقصى، وفي نفق انتحاري قد لا تخرج منه البشرية. وهذا يعني أيضاً أنّ النظام الإمبراطوري صار مصدر خطر، أوّل، على البشرية جمعاء. وأنّ دورة الإمبراطوريات، التاريخية، التي حكمت الإنسانية ما يزيد على ألفي سنة بمآسيها، وصلت إلى نهايتها لأسباب تتعلّق بالجدوى العملية لا للإعتبارات الخُلُقية وحدها. ومع ذلك نجدها كلّية الحضور على المسرحين العالمي والإقليمي. فالقوة العظمى تعزّزها. تدفعها إلى نهاية منطقها وتغذّيها بالقدرات الجديدة من دون أن تعيد النظر في حقيقة جدواها أو أن تلتفت إلى فظاعة مفاعيلها. جدواها معدومة، بالرغم من "تقدمُّها" و"نجاحاتها". فهي تتقدّم في الرمال المتحرّكة وتنجح في تعميم مفاعيلها الفظيعة على العالم بعد ما نجحت في أن تسدّ الطريق على الخيار الآخر في قلب مجتمعها. وأهمّ مفاعيلها الكونية أنها تنقل مفاهيمها، بالعدوى، إلى العالم، أو تبحث فيه عن شركاء - أعداء: شركاء لها في العقيدة، أعداء لها في الحرب. فتنجح في أن تسدّ الطريق على الخيار الآخر في العالم. والحصيلة الأخيرة: عالم تُلوّثه المفاهيم الإنتحارية قبل أن تُلوّثه الحروب البيولوجية.

أخـطأت الإمـبـراطورية الأمـيركية - الإسرائيلية الجـديدة عصرها، فهدّدت مجتمعها بأرهب الأخطار، وجعلت العالم المعاصر أقلّ أماناً منه في أيّ وقت مضى. يجب إنهاء الدورة الإمبراطورية بالتعاون العالمي عليها قبل أن تتمكن، هي، من تحويل نهايتها إلى كارثة عالمية تتصاغر أمامها جميع مآسي التاريخ.

الجانب النيوليبيرالي

ليست النيوليبيرالية أقلّ تعسّفاً وعنفاً من الإمبريالية. بل إنّ السلطات المالية التوتاليتارية الجديدة هي أشدّ اجتياحيةً وإستفزازية من القوة العظمى الإمبريالية ومن كلّ سلطة سياسية مهما بلغ عنف ممارساتها. إنها ليست مسؤولة تجاه أحد، وليست معنية بالغد، لأنّ حدود المكان في عالمها هو الصفقة، وحدود الزمان فيه هو إقتناص اللحظة لإتمام الصفقة. وهي تمتلك قوة ضاربة مالية لا مثيل لها في التاريخ تسمح لها بأن تطاول، في خلال أيام أو ساعات، أهدافاً كانت تستلزم أسلافها، كما قلنا، أعواماً وعقوداً. بعمليات سريعة صامتة ومناورات سهلة، تستطيع قبضة من الأسياد الجدُد أن تدمّر بلداً أو تهزّ إستقراره، وأن تقرّر مصير مئات الملايين من المواطنين، وأن ترتهن مستقبلهم. "القرية العالمية" تعني لهؤلاء الأسياد الجدُد شيئاً واحداً: أن تصبح مصائر جميع المجتمعات في متناول عدد قليل من الأفراد، المجهولين أبداً، وتحت رحمتهم. ولكي يكون هذا ممكناً، على الدول أن تسلّم بإعتماد نظام مالي - إقتصادي إباحي مطلق تدعوه قوى العَوْلمة، بكل صفاقة، نظام "عدم الإنتظام". أي شرعنة اللاّشرعية وقوننة اللاّقانون. والسلطات المالية الجديدة تستعين بالقوة العظمى الإمبريالية كي تفرض هذا "النظام" على الدول شرطاً لقبولها في نادي العولمة وخياراً وحيداً من دونه المقاطعة والعزل. حتى إذا امتثلت الدول، تحقَّق لقوى العولمة غرضان أساسان تعتبرهما شرطاً لنجاح مشروعها وفلاحه: الأول هو إضعاف الدول بنزع قدراتها، بما فيها القدرة على خدمة أولياتها الإجتماعية وعدم الخضوع كلّياً وعلى مقاومة إستبدادية النفعية، ثُمَّ بتقليص وظائفها وتعطيل مرجعيتها السياسية – وهذا كلّه يخدم أهدافاً أُخرى سياسية وعسكرية. والثاني هو التمكُّن من إقتحام المجتمعات والتعامل المباشر، من دون قيود، مع مختلف مرافقها ومقوّمات حياتها. وتحرص العولمة، في وسائل إعلامها، على إغراء الشعوب بهذا "النظام" بالإدّعاء أنه يعزّز الحريات والديمقراطية، على إعتبار أنّ ما ينتقص من سلطات الدول يزيد، حكماً وتلقائياً، في صلاحيات شعوبها وحقوقها، من منطلق تراث الثورات التاريخية التي انتزعت بها الشعوب حقوقها وحدّت من سلطات حكّامها. هذا الإعلام العَولمي، الذكيّ أو المتذاكي، أخفى الحقيقة الأساس في المعادلة السلطوية الجديدة والمناورة "الشاطرة" التي تستلهم لعبة "الثلاث أوراق" البهلوانية التي لا يخرج منها المقامر إلاّ خاسراً. فالسلطات والصلاحيات والقدرات التي يُفرَض على الدول أن تتخلّى عنها، لا يُراد ولا يُسمَح لها بالإنتقال من الدول إلى شعوبها بل إلى أسياد المال العولميين، لتمكينهم من وضع يدهم بحرّية على الشعوب ومقدّراتها، فيما تكون يد الدول مكفوفة عن حماية شعوبها بحكم القانون الذي أقرّته قسراً أو بحكم ضعفها وعجزها.

ما هي النتائج الأمنية الجديدة المحتمَلة (التي لم تكن قائمة في الماضي)، المترتبة على هذا السطو القانوني المسلّح الذي قد يستطيع أن ينهب بسهولة، في خلال أيام أو ساعات، ما ادّخره الأفراد والجماعات، في خلال عشرات السنين، بالكدّ والحرمان؟ المعطى الأوّل هو أنّ شعوب العالم لن تستطيع أن تتحمّل وطأة هذا الحجم من العنف يفاجئها كالزلزال، وكالزلزال يمضي فلا يرى ضحاياه له وجهاً إلاّ في وجه مخلّفاته. المعطى الثاني هو أنّ الشعوب باتت تمتلك ما تردّ به على من تعتبره مصدر الشرّ عليها. المعطى الثالث هو أنّ الشعوب لن تردّ على دولها وحكوماتها، العاجزة عن حمايتها، بل على مصدر الإعتداء. فهي، والحال هذه، إنّما تردّ على المصدر المرئيّ والمتمثِّل بالقوة العظمى الإمبريالية، لا على الفاعلين الماليين اللاّمرئيين. إنه السيناريو نفسه الذي عرضنا له في باب الإمبريالية والذي يؤدّي إلى دوّامة العنف ونَفَق الرعب العَوْلمي. واللافت في هذه المعادلة العنفية أنّ الولايات المتحدة الأميركية معرّضة لأن تتحمّل وحدها كل الغرم، بينما هي لا تشارك المسوخ المالية في كل الغنم.

أين الخلل الأساس في العولمة النيوليبيرالية؟ بقطع النظر عن مفاهيمها الأصل وعقليتها الخُلُقية المتوحّشة، أين هو الخطأ عند دعاتها الجدُد، النظريين منهم على الأقلّ؟ فات هؤلاء الدعاة أن حصيلات التقدّم في التاريخ أوجبت دائماً نواظم جديدة تكفل الإفادة من حصيلة التقدّم وتجنّب سلبيات التعسّف في إستخدامها، أو الحدّ من هذه السلبيات. الإنتقال من عربة الخيل إلى السيارة أوجب وضع نظام الطريق. وتطوير سرعة السيارة وإنتشار إستخدامها وتطوير شبكة الطرقات وتنويعها، أوجبت تطوير نظام الطريق، وإيلاءه الأهمية، والتشدّد في تطبيقه. فالموجب لوضع نظام الطريق وتطويره، هو الحرص على الإفادة من السيارة كوسيلة نقل وإنتقال في خدمة الحياة، ومنع التعسّف في إستخدامها حتى لا تكون سبباّ للأذية أو الموت. في الصعيد الوصفي، كانت النواظمُ، تشريعاتٍ وتدابير، في التاريخ وجهاً أساساً من وجوه تقدّم الإنسانية وإرتقائها. وفي الصعيد المعياري، وُضعت النواظم أصلاً وفي المبدأ لحماية الغايات ولترك الباب مفتوحاً للخيارات ولمنع التعسّف، بما فيه التعسّف في إستخدام هذه النواظم في ذاتها. وفي عصرنا المتميّز ب"ضغط الزمان والمكان"، وبثورة الوسائل الأحادية الجانب، وبتكنولوجيات السرعة وتعميمها، وبتعاظُم القوة الضاربة المالية وتعاظُم جموح أسيادها، قد يكون إستنباط النواظم الملائمة والحرص على أنسنتها في الحدّ الأقصى الممكن، هو التحدّي الأعظم في أوّليات الإنسانية. لا لحماية أغراضها العليا فحسب، بل لحفظ بقائها الفيزيائي في المقام الأوّل. لكنّ النيوليبيرالية ذهبت في الإتّجاه المعاكس تماماً. أخطأت عصرها والإتّجاه. فحيث صارت النواظم والضوابط، على كل مستوياتها القانونية والسياسية والإجرائية، ضرورة قصوى من دونها الكارثة الكونية، أصرّت النيوليبيرالية على فرض الفلتان الكامل. ومن شأن هذا أن يؤدّي إلى فلتان أمني مماثل يتعذّر ضبطه. وقد بدأنا نفتقد القوى والعوامل الناظمة والضابطة على مستويات ثلاثة: المجتمعات، والدول، والعلاقات الكونية. المجتمعات إقتُحِمتْ وإستُبيحت حتى صارت تفتقد ثوابتها وعناصر تناسُـقها وتوازن حياتها وعلاقـاتها (قيمها، روابطها الإجتماعية، أنماط حياتها وعلاقاتها). والدول إستُضعِفتْ وأُذلّتْ حتى فقدت مصداقيتها وقدراتها، لا سيما قدرتها على التدخّل والضبط. والعلاقات الكونية أُفسِدَتْ بشكل مضاعَف. فهي، من جهة أُولى، إختُزِلتْ بحقّ السلطات الجديدة التكنو - مالية وحرّيتها الكاملة في الدخول على المجتمعات. وهي، من جهة ثانية، خضعت لتراتبية جديدة شبيهة بنظام الطوائف الطبقية المغلقة (castes)، تفصل بين "الحضارات" وتقرّر طبقاتها بحسب "نوعيتها"، وتصنّف القوى والأطراف الدولية بمقياس قدرتها وإستعدادها للـ"تأقلم" مع نظام الفوضى الجديد. لكنّ هذا يؤدّي إلى عالم مشوَّه، ومختلّ، ومحكوم بالتناقضات القوية. النيوليبيرالية أرادت ذلك. لكنه أيضاً عالم عطوب وخطِر. النيوليبيرالية لا تبالي بذلك، وهو آخر همومها.

لا بدّ أخيراً من القول إنّ الأخطر في العولمة النيوليبيرالية القائمة هو نظام القيم الذي ترسّخه في المجتمع الأميركي، وتعمل على تعميمه في العالم. وقد عملت مراكز أبحاث أميركية، في خلال نصف القرن الأخير، على وضع أساسه النظري الجديد. فعُيّنت إدارة خاصّة لهذا الموضوع رُصِدت لها مخصّصات مالية هائلة. ليس بالشأن العفوي أن تنشأ هذه المراكز بعد إنتهاء الحرب الكونية الثانية في منتصَف الأربعينات، وقد دخلت أميركا المسرح العالمي كقوة عظمى تتهيّأ للدور الأوّل بعد تراجع أوروبا وبدء تساقط إمبراطورياتها في آسيا وإفريقيا. بعض التبرير لتدعيم الليبيرالية الإقتصادية، آنذاك، كان لمواجهة الشيوعية والإتحاد السوفييتي. لكنّ القضية النيوليبيرالية التي أُسِّستْ لها مراكز الأبحاث، ورعت فكرَها شبكات منظّمة في الجامعات الأميركية، ورُصِدت لها مئات ملايين الدولارات منذ ذلك الوقت، كانت تتعدّى حدود نشر الدعوة الليبيرالية التقليدية. كانت تأسيساً لمشروع سياسي مستقبلي تتلازم فيه النيوليبيرالية مع القوة العظمى الأميركية، ولا يُعلن عن نفسه إلاّ بعد نصف قرن. وقد فعل ذلك الآن، فكان مشروع العولمة الراهنة، تحَوَّلَ فيه المبدأ الليبيرالي من مبدأ إقتصادي تستدلّ به الأنظمة وتعمل به بنِسَب متفاوتة بعد أن تكيّفه مع خصوصية أوضاعها، إلى شرعة عالمية يُطلَب من دول العالم ومجتمعاته التكيّف معها تحت طائلة العقاب بالعزل والمقاطعة للمتخلِّفين.

ما يهمّنا من هذه الشرعة، هنا، هو نظام قِيَمِها. وما يهمّنا من هذه القيم، حصراً، موضوع أخطارها، بدءاً من خطرها على المجتمع الأميركي. وهو موضوع يستحقّ بحثاً مستقلاًّ، وسنعود إلى التطرّق السريع إلى بعض إشكالياته في الفصل الثالث من هذا الكتاب. نكتفي، هنا، بما قلناه سابقاً عن أنّ بعضاً من أزمة هذه القِيَم هو أنها تَنتُج عن خلل في العلاقة بين ثورة الوسائل المتقدّمة بسرعة قياسية ومن دون حدود، وتخلُّف الأغراض الإنسانية المفترَض في ثورة الوسائل أن تخدمها، وتخلُّف العقلية الخُلُقية التي تتعامل مع منتَجات هذه الثورة. جاءت النيوليبيرالية تنفي وجود هذا الخلل أصلاً، وتقول إنّ قيم السوق هي الناظم الأخير لثورة الوسائل. وتبيّن بسُرعة أنّ قِيَم السوق، التي أرادت أن تكون القيمَ السائدة بل القيمَ الوحيدة، هي أهمّ مصدر من مصادر العنف وأخطرها. وعنفها لا يطاول الإنسان فقط، بل الحيوان والنبات والطبيعة وكامل نظام الحياة على هذا الكوكب وفي فضائه. وشرّ ما في قيم السوق أنها، فضلاً عمّا تدمّره هي، تثير نزعات تدميرية عند ضحاياها أو المعترضين عليها. من هنا أننا نجد أجيالاً جديدة، أميركية بخاصّة، تلجأ إلى التدمير ردّاً على التدمير النيوليبيرالي. فـي هـذا الضوء نفهم تمـاماً لـماذا نرى مواطنين أميركيين غاضبين مستعدّين لـقتل الألـوف وتدمير الإنشاءات الكبرى (مركز أوكلاهوما مثلاً)، احتجاجا وردّاً على التدمير المنهجي واللاّمسؤول الذي تمارسه السلطات المالية، بحماية النيوليبيرالية وبإسمها، على البيئة مثلاً. وفي هذا الضوء أيضاً نفهم تماماً لماذا تزدهر في أميركا، في شكل خاصّ، دعوات نهاية العالم، بمحرّضات دينية وبإسم التنبّؤات التوراتية، من دون أن تتمكن محرّضات أُخرى إجتماعية وثقافية، ودينية، كمحرّضات المحبة والرجاء التي هي أساس المسيحية، من أن تردعها. فتعطيل أنظمة القيم عند الشعوب، بفعل النظام القيمي النيوليبيرالي المختزَل بقيَم السوق، من شأنه أن يؤدّي إلى تعطيل النواظم. أَوَليس في صلب العقيدة النيوليبيرالية ودعوتها ومنهج عملها، أن يقوم عالم من دون نواظم؟

صدام الحضارات أو الحروب الدينية

لعلّ "صدام الحضارات" أو صدام الأديان هو أخطر الدعوات في العصور الحديثة. وهل أفظع من الدعوة إلى الحروب الدينية في القرن الحادي والعشرين؟

في خلفية الدعوة، مشروع تدميري رهيب من شأنه أن يغيِّر وجه العالم أو أن يقضي عليه. وكأنّ أصحاب هذا المشروع خافوا على مشروعهم من هشاشة الحروب القائمة على المتغيّرات السياسية والعسكرية والمالية، فلجأوا إلى ثوابت الإنتماء الديني ليطمئنّوا إلى أساسٍ ثابت يضمن نجاح مشروعهم. ثم خافوا من وحدةٍ مسيحية تتصدّى للمشروع بالروح المسيحية الجامعة، فلجأوا إلى المذهبية، وجعلوا المسيحية دينين متصادمَين، شرقي أورتودكسي وغربي كاثوليكي - بروتستانتي - يهودي. وقد ربطوا المسيحية الغربية باليهودية ليضمنوا مستقبل الصدامات المسيحية - المسيحية بالرعاية اليهودية. أمّا الإسلام، فقالوا بحربه على الجميع وبحرب الجميع عليه. هذه هي عناصر المشروع الحربي المُقبِل علينا. أمّا "الحضارات" الأُخرى، فقد أوردوها لإستكمال العدد والشكل.

إنه مشروع إجرامي فريد من نوعه، يحظى بالحصانة الأكاديمية والرعاية السياسية والترويج الإعلامي. واللافت في أصحاب المشروع، أنهم يبشّرون العالم بالحروب الدينية على مستوى العالم كله، ولا يرفّ لهم جفن. لا يتوقّفون لحظةً واحدة أمام ما مثّلته الحروب الدينية في التاريخ من فظاعات ومآسٍ وتشويه. ولا يبدون معنيين أبداً بما تعنيه الحروب الدينية في القرن الحادي والعشرين وهي تعصف بالعالم كله وترتهن مستقبل الإنسانية. بل نراهم مرتاحين إلى اكتشافهم بعد أن اعتبروه مسلّمة العصر الأُولى والأخيرة، يسفّهون بها كل الإجتهادات الأُخرى سواء في التشخيص أم في التحليل والتعليل أم في الخلاصات الأخيرة. لا يقبلون مجادلةً أو تحفّظاً يعكّر صفو "البشرى". فنراهم يجهدون في إثبات النذير المشؤوم، ويكتفون بصياغة التوصيات التي تكفل للغربيين حسن إدارتهم هذه الحروب المستقبلية.

غنيُّ عن القول إنهم لا يكلّفون أنفسهم تقديم حلول أو حتى إقتراحات لتجنيب البشرية هذه الحروب أو لتأخيرها أو للحدّ من إنتشارها ومفاعيلها. حتى أنهم لا يشيرون إلى ضرورة البحث عن الحلول والمعالجات. كأنّ ما يقولون به نبوءةُ من تراث النبوءات الدينية التي من طبيعتها وقدَرها وحقها أن تتحقّق، ومن قدَر الإنسانية وواجبها أن ترقب إشاراتها وتنتظر تحقّقها. لكنها، هنا، نبوءة عصرية تأبى إلاّ أن تكون مستوفية كل الشروط الأكاديمية بمنهجيتها وتوثيقها، ولو كانت منهجيتها تعسّفية، وكان توثيقها إنتقائياً لا ثقة به. وقد نظروا إلى عملهم فوجدوه حسَناً، فهنّأوا أنفسهم عليه. وهذا من حقّهم بالفعل. فمشروع الحروب الدينية الذي وقّعوه يشهد على جهدهم "المشكور" وعلى خصب مخيّلتهم في إكتشاف الحرب المثالية لغرضهم، نظراً لكونها حرباً متعدّدة الوظائف التدميرية، ومكفولة النتائج الكارثية. تاريخها يشهد لها. وقد كانت المذابح والفظائع الجسدية التي خلّفتها في العصور الماضية، أهوَنَ شرورها. فشرّها الأكبر كان في ما تُحدثه في داخل الإنسان. فهي تستنفر أشرس الغرائز وأقبحها وتدفع بها إلى وجه الإنسان لتختزل صورته في عينه وعين "الآخر"، وإلى واجهة حياته العامّة ليواجه بها العالم. تذهب بالجماعات، بالجملة ودفعةً واحدة، إلى حالات التوحُّش الأولى، ولا تعود بهم إلى التمدُّن إلاّ فرادى، وجيلاً بعد جيل. ثم لا تندمل جراح هذه الحروب ولا تُمحى من الذاكرة الجماعية. بينما الحروب الأخرى يعالجها مرور الزمن. والأمثلة على ذلك كثيرة. حروب المستعمرين الأوروبيين على آسيا وإفريقيا. حرب أميركا مع اليابان ومع ألمانيا. حرب روسيا مع اليابان. الحروب الأوروبية- الأوروبية، لا سيما بين فرنسا وألمانيا وبين فرنسا وبريطانيا من قَبْل. كلّها حروب أصبحت، في الغالب، من الماضي وفقدت نبضها في حياة الشعوب، مع أنها حروب حديثة نسبياً ما يزال بعض أجيالها في الحياة. أمّا الحروب الصليبية التي مضى عليها أكثر من سبعة قرون، فهي، بَعْدُ، نابضة، على حضور في الخلفيات ، وعلى إستعداد وأهلية للقفز إلى الواجهة. ولا فرق في ذلك بين قديم الحروب الدينية وحديثها، فكأنها وشم التاريخ.

أصحاب المشروع الحربي يعرفون ذلك ويراهنون عليه. وهم يعرفون أيضاً أنّ الحروب الدينية أزهقت أرواحاً أكثر بكثير ممّا أزهقت حروب السياسة. وأنّ الإنسانية خرجت من الحروب الدينية التاريخية بسلامةٍ واهمة هيهات أن يخرج بها القرن الحادي والعشرون، نظراً لتداخل حياة الشعوب وهول الأسلحة المتوافرة. وهم يعرفون أيضاً موجة الإرتداد إلى الدين، ويعرفون أنّها سيف ذو حدَّين، فأرادوا تغليب الحدّ القاتل. ففيما يلتفت بعض أبناء عصرنا إلى الأديان، لعلّها تملأ فراغات الرحمة التي أحدثتها المطامع السياسية والعسكرية والمالية، ولعلّها تُسهم، بمحرّضاتها على الخير، في إستنفار الفضائل والجمالات الإنسانية وفي إبقاء العيون والضمائر مشدودةً إلى أعلى بقيمها ومُثُلها، ولعلّها تذكِّر الإنسانية بالأغراض العليا الغائبة وبقيمة الإنسان المُهينة، أراد أصحاب المشروع أن تفاجئنا الحروب الدينية بقلب الأمور إلى نقيضها، فيأتينا الخطر من حيث طلبنا الأمان. فيطاردنا عنف تدميري انتحاري يستحيل الإحتراز منه، ويصعب تعقّبه أو إيقافه. يتقدَّم كالإعصار، بقوة الوسائل الحديثة وبوتيرة تكنولوجيات سُرعة هذا الزمان.

لقد انتقلت القوة العظمى من مقولة "مكافحة الإرهاب" إلى مقولة حربية. ثم حوّلت الحرب على الإرهاب إلى حروب دينية. فسلّطت على العالم كلّه إرهاب الحروب الدينية الذي هو الإرهاب الأقصى.

الخطر حقيقي

قلنا، في السابق، إنّ العالم لن يستطيع أن يتحمّل العنف المُفرِط الذي تمارسه العولمة الإمبريالية-النيوليبيرالية، مشفوعاً بغرائز الحروب الدينية. وإنّ الدول قد تنكسر. أمّا المجتمعات فتنفجر. تنفجر عنفياً، لأنّ قوى العولمة تحاول أن تسدّ أبواب المقاومة السياسية على المجتمعات بعد أن عطّلت قدرات الدول، السياسية. وتنفجر في وجه القوة العظمى لا في وجه دولها وحكوماتها، لأنّ قوى العولمة تطاول المجتمعات بالعنف المباشَر، من تحت أنف الدول والحكومات. وقد بدأت مؤشِّرات الإنفجار العنفي تظهر وتتصاعد. وأخطر هذه المؤشِّرات، ظاهرة الإرهاب الأقصى بأسلحة الدمار الشامل. قد يستيقظ المجتمع الأميركي على عملية إرهابية بأسلحة الدمار الشامل تُزلزل الحياة الأميركية، وقد تغيِّر وجه العالم بمفاعيلها.

هذا الموضوع ليس مجرّد فَرَضية نظرية. إنه إحتمال وارد وقوي يتزايد يوماً بعد يوم وساعةً بعد ساعة. السلطات الأمنية الأميركية تقول إنها أصبحت في سباق معه. معظم المسؤولين الأميركيين في أعلى مستويات السلطة، السياسية والأمنية، يعتبره أهمّ خطر تواجهه أميركا. من الرئيس الأميركي، إلى الكونغرس لمجلسيه، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، إلى وزير الدفاع، إلى مدير الوكالة المركزية. ومن المؤسّسات العسكرية والأمنية، إلى الهيئات واللجان المختصّة، إلى الخبراء الأمنيين والأخصّائيين بأسلحة الدمار الشامل والإرهاب .

الكلام الصادر عن كبار المسؤولين يدلّ على معرفتهم مستوى الخطر، ويُظهر حرصهم على التعبير عن قلقهم في صدده. وقد بدت السلطات العليا، التشريعية والتنفيذية، منهمكةً برسم السياسات وإتّخاذ الخطوات الضرورية، في رأيها، لمواجهته. صدرت قوانين دستورية خاصّة في هذا الموضوع تمنح المسؤولين سلطات واسعة غير مسبوقٍ إليها ولا مثيل لها في الحقل الدستوري - القانوني الأميركي. واستُحدِثت، لذلك، مؤسّسات وفِرَق خاصّة وشبكات مراقبة ومراكز معلومات وإحصاءات متخصّصة. واتُّخِذت إجراءات تنظيمية وتنسيقية في ما بين المؤسّسات الأمنية والعسكرية والصحّية لتأمين حسن الأداء لكلٍّ منها والتعاون والتكامل في ما بينها. وتشدّدت الرقابة على المختبرات والصناعات والتكنولوجيات المتقدّمة وجميع الموادّ والمعارف التي تمتّ بصلة إلى إمكان صناعة أسلحة الدمار الشامل وإستخدامها. واحتلّ هذا الموضوع موقعاً متميّزاً في الخطاب الرسمي وفي الأوساط الإعلامية القريبة من مراكز القرار. ولم تتردّد الإدارة الأميركية في إستخدام هذا الموضوع لتبرير أهمّ سياساتها الخارجية والدفاعية.

إلامَ استند المسؤولون الأميركيون حين أكّدوا حقيقة هذا الخطر وأعلنوا أنه أهمّ الأخطار الراهنة والمستقبلية التي تهدّد أميركا؟ إستندوا إلى معلومات يومية وتقارير رسمية ودراسات وأبحاث متخصّصة. منها السرّي الخاصّ بالدوائر العليا الأميركية. ومنها المعروف في المؤسسات التابعة لمراكز القرار. ومنها المعمَّم في الأوساط السياسية في الولايات المتّحدة وعند بعض حلفائها. ومنها الدراسات والأبحاث المنشورة وهي في متناول الجمهور.

نحن لا يمكننا الوصول إلى كلّ هذه المادّة التي اعتمد ويعتمد عليها دائماً المسؤولون الأميركيون سَواءٌ في قراراتهم السياسية والستراتيجية أم في تصريحاتهم. لكنّنا عدنا إلى ما هو منشور في هذا الصدد، وهو غزير جداً. فقد صدرت مئات الكتب وألوف الأبحاث والتقارير والمقالات عن الإرهاب الذي بات يهدّد أميركا بأسلحة الدمار الشامل. وهي تتوافق، صراحةً أو ضمناً، على أن المجتمع الأميركي، لا الدولة، معرّض ليكون هو المسرح، أو مسرحاً أول، لهذا النوع الجديد من العمليات. كما أنها تكشف عن طبيعة هذا الخطر ومستواه العالي، وعن كونه خطراً حقيقياً ومتزايداً وداهماً، وعن كون المجتمع الأميركي مجتمعاً عطوباً في شكل خاصّ. بعضها يتبسّط في عرض السيناريوهات الممكنة للعمليات الإرهابية الجديدة المتوقّعة، وفي تصوّر المشاهد المأسوية لها في حال حصولها، وفي إستشراف نتائجها ومفاعيلها الفظيعة غير المسبوق إليها، مع التنبُّه إلى أن الفظاعة الواقعية قد تفوق كلّ التوقّعات والتصوّرات، سَواءٌ من حيث المفاعيل المباشرة للعملية أم من حيث آثارها البعيدة في المجتمع الأميركي وحياته. ثمّ ينتهي الباحثون جميعاً إلى توصيات تلتقي، في معظمها، على ضرورة التصدّي لهذا الخطر بالأوّلية، نظراً لتقدُّمه على جميع الأخطار الأخرى. وهم يؤكّدون بأسف، وأحياناً بغضب، أنّ السلطات الأميركية لا تفعل ذلك، لسبب في مفاهيمها الأمنية التقليدية الراسخة أو لإعتبارات تحكم سياساتها وقراراتها وتتقدّم أحكام الأمن والسلامة، لا سيّما أمن المجتمع وسلامته.

إذاً، ثَمّة مبرّرات واقعية مُلحّة للتوقف الجادّ المسؤول عند هذا الموضوع الخطير. ثُمّ إنّ ثمّة أسباباً موجبة، أشدّ إلحاحاً، لعرضه على أوسع نطاق، خصوصاً على المواطنين الأميركيين. هؤلاء قد يكونون هم، لا الدولة ومؤسّساتها ورجالاتها، كبش المحرقة لإشكالية دولية وإنسانية خطيرة متولّدة من النظام العالمي الجديد، وهم لا يعرفون من ملابساتها وأسبابها إلاّ التفسيرات الرسمية التي يقدّمها المسؤولون أو خبراؤهم، أي النخبة المؤسّساتية . وهي، في الغالب، تفسيرات تأتي نتائجها تضليلية إذا هي طمأنتْ، وتحريضية إذا هي أرادت أن تحِّذّر أو تخيف. تأتي الطمأَنة تضليلية لأنها مخالفة للواقع. فالخطر حقيقي وقوي وداهم،والمعالجة قاصرة وطائشة. ويأتي التحذير والتخويف تحريضيَّين لأنّ المقصود بهما إنّما هو تبرير السياسات الأميركية الإعتدائية لا ردّ الخطر عن المجتمع الأميركي. فهما يتصاحبان ويتلازمان، غالباً، مع تعيين الأطراف الخارجية الإرهابية المحتَمَلة، إستناداً إلى خلفيات سياسية أو ثـقافية كـخلفية "صدام الحضارات" .

قصَدنا أن ننقل ونجمع كلام المسؤولين الأميركيين وخبرائهم في الموضوع، وصفاً وتعليلاً وخيارات. وقصدنا أيضاً أن نتبع منطق قراءتهم ومعالجاتهم حتى آخر الطريق. ولكننا سنكتشف أنها طريق مسدودة على آمال الإنقاذ، مفتوحة على الكوارث .

حاولنا أن نقصر عرضنا على أهمّ النقاط التي يتّفق عليها الباحثون القليلون الذين اعتمدناهم، مع غالبية الباحثين الآخرين.العجيب في هذا التراث، أنّ أصحابه الذين يذهبون إلى أدقّ التفاصيل في أبحاثهم ودراساتهم وتقاريرهم، يبدون قادرين كل القدرة في شيء، عاجزين كل العجز في شيء آخر. فهم، في وجه أوّل، يبدون قادرين على إحصاء أنفاس العالم بغزارة وشمولية المعلومات التي يجمعونها ويفرزونها ويحلّلونها، حول الإرهابيين المحتملين، وإحتمالات خطرهم على أميركا. لكنهم، في وجه ثانٍ، يبدون عاجزين كل العجز عن التوصُّل إلى فهم البيئات التي صدر عنها هؤلاء الإرهابيون والأوضاع التي دفعتهم إلى إعتماد العنف في إتّجاه أميركا بالذات. وهم يردّون كون أميركا مستهدَفة إلى سبب في موقعها القيادي في العالم لا إلى علّة محتمَلة في السياسات التي تمارسها من هذا الموقع. حتى من الناحية المنهجية، تظهر، في مقاربتهم لموضوع الإرهاب، مفارقات تدعو إلى العجب. فهم يشدّدون على معطىً أو عامل أساس، ثمّ يُغفلونه كلّياً في التحليل والتعليل والإستنتاج وفي التوصيات التي ينتهون إليها. وقد ظهرت هذه المفارقة في كلّ ما يتعلّق بالموضوع السياسي من ظاهرة الإرهاب، وبأوضاع العالم الخارجي (خارج أميركا) عموماً. مثال على ذلك: غالبية الباحثين الأميركيين الأساسيين يُجمعون، في باب التعريف بالإرهاب، على تأكيد أوّلية العامل السياسي في ظاهرة الإرهاب، ثمّ يجتمعون، في باب التوصيات الأخيرة التي يتقدّمون بها، على إغفال هذا العامل كلياً. يُجمعون على خلفية الدوافع السياسية في ظاهرة التطرّف الديني وإرهابه، ثم تراهم يُغفلون هذه الخلفية في توصياتهم حول النظر إلى هذه الظاهرة والتعامل معها. فالتوصيات والسياسات المقترحة والفعلية هي ذات طبيعة أمنية بحتة لمواجهة ظاهرة سياسية بإمتياز.

ملحق التعريفات والتوصيات المقارَنة ، المثبَت في آخر الكتاب، يكشف عن هذه المفارقة عند الباحثين والخبراء الأميركيين. نعرض فيه لأهمّ ما جاء عندهم في باب التعريف بالإرهاب وفي باب التوصيات. فهم، في باب التعريف، يؤكِّدون العوامل السياسية الكامنة وراء هذه الظاهرة. بينما هم، في باب "التوصيات"، لا يتقدّمون بتوصية واحدة تدعو السلطات الأميركية إلى أخذ العامل السياسي في الإعتبار عند النظر في شأن الإرهاب، وأسباب تزايد أخطاره، وسُبُل الإقلال من إحتمالاته.

واضحٌ أنهم، جميعاً، ينسون أو يتناسون إسم السياسة في توصياتهم. لكنهم، من جهة ثانية، يتذكّرون فجأةً الموضوع السياسي حين يوصون بعدم الرَّضخ لشروط الإرهابيين، السياسية. يبدو لنا أنهم يخلطون، عمداً، بين تلبية الشروط السياسية التي تصدر عن الإرهابيين، والنظر في الأوضاع السياسية العالمية التي يصدر عنها الإرهابيون. هذا التهرّب من محورية الوضع السياسي العالمي لم يكن صدفةً. فالمسؤولون والخبراء الأميركيون يعرفون أنّ هذا الموضوع يقود إلى النظر في السياسات الأميركية ومسؤوليتها الأُولى عن هذا الوضع العالمي المأسوي والخطِر. وهذا بالضبط ما لا تريد السلطات الأميركية سماعه وما لا تريد وصول حقائقه إلى الشعب الأميركي.

هذا الإغفال المقصود للبُعد السياسي على مستويَي التشخيص و التعليل، إسْتَشبَع إغفالاً على مستويَي الإستنتاج و المعالجة. فجاءت سياسات مكافحة الإرهاب تُضاعف العنف و تًفاقم الوضع السياسي – الأمني المتفجّر في العالم.

[1Jessica Stern, The Ultimate Terrorists, Harvard University Press, 1999