الحقيقة بدءاً من لبنان : 1

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الثلاثاء 24 كانون الثاني (يناير) 2006

في 14 شباط 2005 حصل اغتيال الرئيس رفيق الحريري على يد جهة عالية الإحتراف وبموادّ وتقنيات متقدمة جداً التبست على أهم الأخصائيين. هذا في لبنان.

في واشنطن وفي الأسبوع نفسه، دارت أعنف المعارك الداخلية في المؤسسات العليا حول موضوع "العمليات الخاصة" في الخارج، التي كانت تقوم بها عصابة البنتاغون من دون علم السفير الأميركي في البلد مسرح العملية. ومن المعروف أنّ "العمليات الخاصة" هذه هي من النوع الذي يشمل عملية اغتيال الرئيس الحريري.

في 24 شباط 2005، خرجت أخبار ذلك القتال الداخلي إلى العلن وتناقلته الصحف الأميركية. السيد أرميتاج، الشخص الثاني في وزارة الخارجية، وغيره من المسؤولين، عددوا الجرائم الموصوفة التي كانت تقوم بها عصابة البنتاغون في بلدان العالم. ونظراً لخطورة القضية، قرّر السيد أرميتاج أن يخوض مع العصابة حرب موت أو حياة.

وفي خلال الأسابيع التي تلت ذلك، حُسِمت الأمور لمصلحة العصابة التي تمكنت من إبعاد معارضيها في وزارة الخارجية ومن تعزيز موقع رجالاتها فيها وفي مراكز القرار الأخرى. فذهب السيد أرميتاج إلى بيته وتعزز موقع السيد دافيد ساترفيلد، وهو رجل العصابة في وزارة الخارجية وعميل إسرائيل في الإدارة العليا الأميركية كما تبيّن لاحقاً، وأُطلِقت يده في منطقتنا.

وفي نهاية تلك الأسابيع الفاصلة، أي في النصف الثاني من شهر آذار 2005، بدأ مسلسل التفجيرات في لبنان بثلاث تفجيرات متلاحقة لا يفصل بينها إلا بضعة أيام، كان من شأنها أن تصبّ الزيت على الوضع السياسي المشتعل وأن تفاقم في الحالة الإستقطابية.

بعد تلك التفجيرات وفي حمّاها، وربما بسببها، قرّر السفير الأميركي في لبنان، السيد فيلتمان، أخذ إجازة لمدة ثلاثة أسابيع بحجّة "أسباب شخصية" فغادر لبنان في 23 آذار، قبل أن يأتي السيد ساترفيلد في 27 آذار، ليقود الأمور بنفسه.

منذ ذلك التاريخ والتفجيرات والإغتيالات تتلاحق مع تلاحق الأزمات السياسية، وبوتيرة تتوافق مع وتيرة صعود هذه الأزمات واستكاناتها. وقد قيل، بحق، في هذه التفجيرات والإغتيالات أنها ذات مصدر واحد وأنها تتصل بعملية اغتيال الرئيس الحريري.

وما يزيد في الريبة، أنّ الساحة اللبنانية شهدت هذه العمليات في الوقت الذي باتت تعج بالأجهزة الأميركية السرية والعلنية التي يشرف على إدارتها السيد ساترفيلد من قرب أو من بُعد. فيما تبقى هذه العمليات مجهولة الفاعل حتى الآن، من دون أن يظهر خيط واحد لعملية واحدة على الأقلّ.

وتزداد الريبة أكثر فأكثر وتقترب من حد اليقين، حين تخرج الصحف الأميركية بأنّ ساترفيلد جاسوس إسرائيلي، وهو مصدر المعلومات لشبكة التجسس الإسرائيلية. ولعلّ هذا ساعد على تعيينه في العراق بدلاً من أن يمنع ذلك. ووزارة العدل التي أفتت بأهليته، يرأسها زميل له في العصابة سبق له أن أفتى بشرعية عمليات التعذيب في السجون.

في عودة إلى شهر شباط 2005، نسأل: ما الذي يجمع شباط اللبناني بنظيره الأميركي؟ وهل كان من باب الصدفة أن يلتقيا على الموضوع ذاته: تشتعل بيروت بعملية استثنائية في اليوم نفسه الذي يحتدم فيه الشجار حول العمليات الخاصة في الدوائر العليا في واشنطن؟ وهل كان من باب الصدفة أن يخرج السيد أرميتاج إلى الصحافة فيقول ما قاله عن الجرائم الموصوفة التي ترتكبها العصابة في بلدان العالم، بعد تسعة أيام تماماً من عملية بيروت، وفي اليوم ذاته (23 شباط) الذي ضربه الرئيس بوش لتسلّم ملف العمليات الخاصة للبت فيه؟ ألا يستوقفنا أن تستبق عملية بيروت موعد القرار في واشنطن في شأن العمليات الخاصة، فتضع مراكز القرار أمام الأمر الواقع؟ وفي الخلاصة الأخيرة، هل كان القصد من الإغتيال إصابة عصفورين بحجر واحد: تأمين تطبيق القرار 1559 في بيروت وتأمين إستصدار قرار "العمليات الخاصة" في واشنطن؟

تجاوزاً لشهر شباط ولجريمة اغتيال الرئيس الحريري، أو انطلاقاً منهما، نتوقف عند وضع لبنان بعامّة وموقعه في المشروع المتقدم في المنطقة. تحوّل لبنان، بسحر ساحر، إلى موضوع الساعة في العالم كله. في السياسة الأميركية، وفي الأمم المتحدة، وفي الصحف والإذاعات والتلفزيونات. ومن المقلق أن تتزايد أزمات لبنان مع تزايد هذا "الإهتمام" به، وأن يزداد مصير لبنان غموضاً كلما ازداد المشروع الدولي في المنطقة وضوحاً. لكنّ هذا الغموض آنيّ لن يصمد طويلاً أمام الحقائق المرّة. فلبنان، في المشروع الحربي القائم، مقصود بذاته في المقام الأول. فهو مقرّ للمشروع قبل أن يكون ممراً له إلى الجوار. الحاجة إليه كممرّ هي من المتغيرات، أما كونه مستهدفاً في ذاته فهو الثابت. ولعلّ خصوصية لبنان التي يتغنى بها كمصدر أمان له من دون أن يتسلح بها بالفعل، هي بالذات مصدر الخطر عليه، لأنّ هذه الخصوصية من شأنها أن تبطل "العمومية" التي رسمها المشروع الحربي الأميركي-الإسرائيلي للمنطقة بكاملها. من هنا نقول إنّ عملية الإغتيال كان دافعها اغتيال لبنان. وكان على المحققين في هذه الجريمة أن يضعوا هذا الدافع في المقدمة أو، على الأقلّ، بين الفرضيات والإحتمالات التي تتوجب متابعتها. لكن التحقيق استبعد سلفاً هذا الدافع الأساس وانصرف كلياً إلى خيوط الأدوات المحلية والإقليمية. مع أنّ هذا لا يمنع ذاك، بل يستوجبه. فالمايسترو غير الأدوات. والمايسترو، هنا، قوة عظمى تجتاح العالم بمشروع حربي ينذر ويهدد جميع الأطراف بتغيير خريطة حياتهم. فمايسترو على هذا المستوى لا تنقصه أدوات في أعلى المستويات الإقليمية والمحلية تقف بدورها على هرم من الأدوات والوسائل. ما يمنح المايسترو القدرة على تنفيذ عملياته بأدوات محسوبة على أطراف أخرى. بذلك يستطيع المايسترو أن يتخفى، لكن مشروعه الإجرامي يدل عليه. فلو أنّ لجنة التحقيق وضعت فرضية اغتيال لبنان من بين فرضياتها على الأقل، لما فاتها الآن مشهد المايسترو وهو يتابع جريمته ويستكملها.

جريمة اغتيال لبنان لم تكتمل فصولاً. وهنا أعود إلى السيد دافيد ساترفيلد. فهو يجمع بين يديه ملف المنطقة، وهو خبير فيها، ومسؤولية العمل الميداني، وهو الخبير في إدارة "العمليات الخاصة". إنه الآن، رسمياً، الشخص الثاني في السفارة الأميركية في العراق، إلا أنه يدير أهمّ "مختبر" عملياتي قابل للتصدير إلى المنطقة. وهذا موضوع في غاية الخطورة يستوجب العودة إليه. لن أتكلم هنا عن هذا الموضوع إلا في حدود ما يتعلق منه بلبنان.

قلنا إنّ هذا الرجل خبير في "العمليات الخاصة"، وهو مصطلح معروف يعني عمليات سرية مهمتها مساندة العمليات الرئيسية. لكنها الآن جيش العصابة السري في العالم، وهي في العراق القوة الأولى المقررة، فيما تحوّل الجيش الرسمي إلى قوة مساندة لها. علماً أنّ هذا الجيش الرسمي نفسه اخترقته العصابة بعقيدتها الحربية وبعناصرها الذين وضعتهم في مراكز القرار والإمرة. وفي العراق الآن ما يزيد على خمسين ألف عنصر لهذا الجيش السري ومعظمهم من المجرمين المحترفين يؤتى بهم تحت أسماء مختلفة، منها المرتزقة، والشركات الأمنية الخاصة، وقيادات الميليشيات، وغير ذلك. وهم يستعينون بمئات الآلاف من العناصر المحلية. ويقومون بعملياتهم بإسم جميع الأطراف ما عدا إسم أميركا.

ما يتعلق بلبنان في هذا الموضوع، هو أنّ عدداً من الشبان اللبنانيين هم الآن في العراق يخضعون لدورات تدريبية وتستخدمهم العصابة في عمليات "تطبيقية". ونحن نعرف أنّ مهمة جيش العصابة السري في العراق تقوم على أمرين: القيام بعمليات وتشكيل ميليشيات. ولعلّ العصابة تريد تصدير النموذج العراقي الذي أنشأته، فهي حلت الجيش وادعت بناء القوى الأمنية فيما كانت تقوم بتدريب الميليشيات وبتمويلها وتسليحها حتى صارت الميلشيات الطائفية هي القوة الأمنية الرئيسية على أرض الواقع. ولعل ساترفيلد يرعى مباشرة موضوع اللبنانيين هناك. فتكون مهمته في لبنان لم تنته بعد. هذا الكلام يأتي في سياق قولنا إن جريمة اغتيال لبنان لم تكتمل فصولاً بعد. فهل يسمح اللبنانيون للعصابة أن تحوّل لبنان إلى نموذج ثالث عن الشرق الأوسط الكبير بعد نموذجي فلسطين والعراق؟ أم أنهم سيقاومون عصابة الشر ويكشفون للعالم بأسره الحقيقة حول اغتيال لبنان واغتيال المنطقة بكاملها، فيكون لهم شرف كشف الحقيقة وشرف تعميم المقاومة في منطقتنا بدءاً من لبنان؟

إننا نضع ما تقدم بين يدي النيابة العامة التمييزية ونطلب ضمه إلى ملف التحقيق، آملين أن تجد فيه مادة أولية كافية لإخراج تحقيق اللجنة الدولية من واحدية الإتجاه، وهو مسلك غريب من جهتها ويطعن في مصداقيتها فضلاً عن أنه مسلك خاطئ قد يحرم التحقيق من الوصول إلى الحقيقة.

ونحن نهيب بالنيابة العامة أن تأخذ في الإعتبار الأبعاد الوطنية والمصيرية المترتبة عن أي خطأ أو نقص أو مسلك مسيء في هذه القضية. لا سيما أنّ الجهات التي تقوم بعملية اغتيال لبنان ما زالت ماضية في مشروعها التدميري لبلدنا وهي مطمئنة إلى أنّ التحقيق لن يطاولها. علماً أنّ هذا المشروع التدميري صار متقدماً وهو يقترب من خط الخطر المصيري على شعبنا.

المراجع

1- Quexada Donna, Pentagon Wants to End Ambassadorial Chief of Mission Powers, United for Peace of Pierce Country, February 23, 2005.

2- Tyson Ann Scott and Priest Dana, Pentagon Seeking Leeway Overseas, Washington Post, February 24, 2005.

3- The Times of India Online, The Pentagon Wants to Freelance, February 24, 2005.

4- Barry O’Connell, Israeli Spy Ambassador David Satterfield.

5-Guttman Nathan, Satterfield Named in AIPAC Indictment, The Jerusalem Post, August 18, 2005.

6- Johnston David and Risen James, U.S. Diplomat Is Named in Secrets Case, New York Times, August 19, 2005.

7- Quilty Jim, Lebanon: Forty Days, Three Bombs, Middle East International, Online Edition, April 1, 2005, www.meionline.com.