الجبهات المكشوفة والفرص الضائعة

 
يوسف الأشقر, نشر على الإنترنت : الأربعاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 15 تشرين الثاني 2010

الجبهات المكشوفة، عندنا في لبنان، هي جميع الجبهات الحربية المفتوحة علينا، ما عدا الجبهة العسكرية التي تسددها المقاومة وإلى جانبها الجيش اللبناني. والفرص الضائعة هي غيابنا عن هذه الجبهات بحيث تركنا العدوّ يتقدم عليها، محلياً وعربياً ودولياً، حتى بتنا الآن في مأزق سياسي وأمني كبير. ولو أننا تلقفنا تلك الفرص في الوقت الصحيح، وتعاملنا معها بما تستحقه من وعي ومسؤولية، لكان عدونا الآن يتخبط في المأزق الذي وضعته فيه المقاومة منذ عام 2000، لا سيما بعد حرب تموز.

الجبهة الإعلامية-السياسية هي أهمّ هذه الجبهات المكشوفة. وهي، هنا، ذات بُعد خاص بالنسبة إلينا وذات دور حاسم في تقرير مصير هذه الحرب، نظراً لعقيدة المشروع الحربي الهاجم علينا، وللمكانة العالية لهذه الجبهة فيه، وللخطط المنهجية الملتبسة التي يعتمدها العدوّ لتسويق مقولاته الحربية وتحقيق أهدافه.

لقد كانت لي معاناة شخصية في هذا الموضوع بالذات مع الأطراف المعنية به بشكل مباشر وقوي، وهي أطراف لبنانية وعربية واقفة على خط النار، ونار العدوّ تستهدفها بالأولية. هذا فضلاً عن أطراف حزبية وسياسية ذات تاريخ نضالي في هذا الشأن، تأبى الآن أن تستعيد بعض دورها وإسهامها الفعّال في تسديد هذه الجبهات المكشوفة والخطيرة. لم أجد عند هذه الأطراف جميعها، من دون أي إستثناء، إلا المماطلة والتلكؤ، مع أنّ الوقائع كانت صارخة والمشروع الحربي العدوّ متقدماً بخطى سريعة وهو يتكشف يوماً بعد يوم عن وجوه جديدة يفاجئنا بها محلياً وعربياً ودولياً.

إنني أقصد بهذا المقال أن أوجه رسالة مفتوحة إلى هذه الأطراف نفسها، علّ هذا يخرجنا من الحلقة المفرغة التي وصلت إليها أحاديثنا في الغرف المغلقة. علماً أنّ تلك الأحاديث يمكن وضعها تحت أربعة عناوين رئيسية أعتمدها في هذا المقال-الرسالة. 1- العقيدة الحربية العدوة ومكانة الجبهات غير العسكرية فيها؛ 2- كيف تعامل العدو مع هذه الجبهات؛ 3- كيف تعاملنا نحن معها؛ 4- الوضع الراهن: موضوع المحكمة.

1- العقيدة الحربية العدوة ومكانة الجبهات غير العسكرية فيها. عقيدة الحرب علينا هي حرب على المجتمعات. هي إسرائيلية المولد، أميركية النشأة. بعد إنتصار إسرائيل على الدول العربية عام 1967، قررت عقيدة حربها الجديدة. التقت عليها مع المحافظين الجدد في أميركا. صارت عقيدة النظام العالمي الجديد بدءاً من عندنا، في فلسطين، والعراق، ولبنان. في ظل العقيدة الجديدة، تتعدد الجبهات الحربية غير العسكرية وترتفع مكانتها، ويفوق تدميرها تدمير الإحتلالات التقليدية والجيوش.

2- كيف تعامل العدو مع هذه الجبهات. قام في كل من البنتاغون وإسرائيل مكتب خاص بالجبهات غير العسكرية، هو كناية عن غرفة عمليات مركزية أوسع وأشدّ تعقيداً من غرفة العمليات العسكرية المركزية. ثم تتبع لها غرف عمليات قارية ومناطقية وداخلية في كل بلد، تتصل يومياً بآلاف المنابر والعملاء في العالم، من عناصر مخابرات، وسياسيين، وإعلاميين، وأكاديميين، وغيرهم من فعاليات الدول والمجتمعات. يدير هذه الغرف علماء إجتماع ونفس وإقتصاد وسياسة..الخ، أي علماء يختصون بحياة المجتمعات بكل مرافق حياتها، إلى جانب خبراء أمنيين يتولون عمليات أمنية من إغتيالات وتفجيرات وغيرها التي يترتب منها تحولات سياسيية وأمنية في المجتمعات. وقد ركزت هذه العمليات على تدمير صورتنا قبل تدميرنا مادياً. تدمير صورتنا في عين العالم، وتدمير صورة بعضنا في عين بعضنا الآخر من دون تدخل الجيوش طبعاً. تدمير صورتنا بالكلمة، والسيناريو المبرمَج، بتوليد القناعات المضللة، وتجييش المشاعر، وتغليب الغرائز، وافتعال الأحداث التحريضية، وارتكاب المجازر والإغتيالات. وقد كان للبنان الحصة الكبرى من هذا النشاط الميمون، بعد فلسطين والعراق، في السنوات العشر الأخيرة. وأخالها الآن منصرفة إلى موضوع المحكمة والشهود الزور عندنا.

3- كيف تعاملنا نحن معها أحصر كلامي هنا بوضع لبنان الذي يواجه الآن أزمة سياسية وأمنية كبرى. نحن لم نفهم عقيدة هذه الحرب. لذلك لم نستطع أن نقرأ الأحداث والتطورات في ضوئها. لم نفهم أنّ حرب لبنان الطويلة كانت المختبر الأول لهذه العقيدة الحربية في المنطقة. وعندما انتهت الحرب في الشكل، لم نفهم أنها استمرت في الواقع بصيغ مختلفة حتى الساعة. الإسراع إلى شرعنة الطائفية والمذهبية في التسعينات. إغراق لبنان بالديون الكبيرة هو موضوع سياسي أولاً. ثقافة الفساد والإفساد هي مشروع سياسي أيضاً قبل أن تكون مجرد سقوط أخلاقي. ثم جاء القرار 1559 تمهيداً لاغتيال الرئيس الحريري. ثم جاء الإغتيال تمهيداً لحرب تموز. ثم جاء التحقيق، والشهود الزور، والمظالم، والروايات التحريضية. ثم جاءت المحكمة الآن.

استفقنا مؤخراً، ومتأخرين جداً، على قضية الشهود الزور. لكن قبل الشهود الزور كان ثمة تحقيق تُبنى عليه محكمة زور. وقبل التحقيق كان ثمة إغتيال. وقبل الإغتيال كان ثمة قرار 1559 كما كان ثمة مئات الملايين من الدولارات توزَّع بشكل مدروس على كرنفال الندّابين بعد الإغتيال. هذا كله يحدث، ويتفاعل، ويتصاعد، ويدمّر، على الجبهة السياسية والإعلامية والمخابراتية حصراً. أي أنّ هذه الجبهة هي مسرح عمليات حربية يمكنها أن تكون أشد خطراً وأقلّ كلفة مادية ومعنوية من العمليات العسكرية. لو أننا فهمنا عقيدة هذه الحرب وطبيعة عملياتها، لكنا أدركنا مبكرين أهمية الجبهات المفتوحة علينا، ولما كنا تركناها مكشوفة حتى الآن. كان علينا أن ننشئ غرف عمليات دفاعية على هذه الجبهات، لا تقلّ كلفة وعناية عن غرف العمليات العسكرية. ولكانت غرف العمليات هذه قد أتاحت لنا أن نرصد العدو ومشاريعه وتحركاته فنواجهها في الوقت المناسب أو نستبقها. لكننا لم نفعل ذلك ولا نفعله الآن.

4- الوضع الراهن: موضوع المحكمة. هذه المحكمة هي، أساساً، مشروع حربي بامتياز. اكتشفنا طبيعة هذا المشروع مؤخراً، مشفوعاً بموضوع شهود الزور. ولا شك في أن هذين الموضوعين حظيا بقسط كبير من دفاعاتنا. وقد ارتقت هذه الدفاعات إلى مستوى رفيع في الجانب الحقوقي، كما أن الحملات الإعلامية والحركة السياسية أوفته حقه على المستوى السياسي-الإعلامي. ما أتاح الكشف عن الوجه الجرمي والفضيحي في آن واحد. وبات يمكن، قياساً إلى هذين الموضوعين، إعادة قراءة ما جاء قبلهما وما صاحبهما من مظالم وفضائح. كان يمكن أن يكون سقف دفاعاتنا هذه كافياً لو أنّ المحكمة كانت شيئاً من الماضي. إلا أنها تتكئ على جرائم الماضي، من الإغتيال والتحقيق إلى التدمير الذي ألحقته بحياتنا، لتقدّم مشروعاً بصيغة المستقبل. وهي تستمد شرعيتها الحقوقية من مجلس الأمن، وشرعيتها السياسية من الرأي العام العالمي الذي يؤيد العدالة في مهمة المحكمة، المهنية، ولا يعرف إلا القليل عن إرثها الأخلاقي غير المهني المتحدّر إليها من مستنقع التحقيق الآسن. وقد حرصت هذه المحكمة على إظهار بياض صفحتها، فدعت إلى مهرجان إعلامي وعلاقات عامة ذهب إليه عدد من إعلاميينا. ثم عادوا أدراجهم، وتابعت المحكمة سيرها. هذا مشهد يمثل بوضوح غيابنا الإعلامي والسياسي عن هذه الجبهة الحربية أو حضورنا الهزيل فيها، لولا ما سدده اللواء جميل السيد منفرداً على هذه الجبهة. لكنّ ثمة مشهداً آخر كان يمكن أن يكون لو أننا أقمنا غرفة عمليات إعلامية-سياسية من مهمتها أن تنزع قناع العدالة المهنية وتكشف عن وجه المستنقع الآسن. ثم كان يمكنها أن تحمل ملف السجل الأسود لهذه المحكمة إلى الإعلاميين العرب والأجانب الذين حضروا مهرجانها التسويقي. كان يمكن أن تجمع وتلخص الدراسات التي قام بها الرئيس عدنان عضوم والدكتور داود خيرالله ومحامو اللواء السيد، والتدقيقات القيّمة التي قام بها الأستاذ عمر نشابه وغيرهم وغيرهم، فيتكوّن ملف كامل عن السجل الأسود، بدءاً من لاقانونية المحكمة، دولياً، ولادستوريتها، لبنانياً، وانتهاءً بفضائح التحقيق ورجالاته، وبالمظالم والجرائم التي ارتكبت بحق الأفراد وبحق بلدنا. في عود إلى بدء أقول إننا غبنا في الماضي عن الجبهات الحربية المفتوحة علينا، ولا نزال مصرّين على هذا الغياب وعلى مضاعفة الفرص الضائعة.